تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ضيعت ما لا بد منه

بالذي لي منه بد

وأنشد قول ابن الرومي:

ألا ليس شيبك بالمنتزع

فهل أنت عن غيه مرتدع

فأقلق وأبكى بكاء غير نافع ولا ناجع، ويجب أن أبكي على بكائي، وأنشد:

لساني يقول ولا أفعل

وقلبي يريد ولا أعمل

وأعرف رشدي ولا أهتدي

وأعلم لكنني أجهل

عرض علي بعض الناس كأس خمر، فامتنعت منها وقلت خلوني، والمطبوخ على مذهب الشيخ الأوزاعي، وقلت لهم: عرض إبراهيم بن المهدي على محمد بن خازم الخمرة، فامتنع وأنشد :

أبعد شيبي أصبو

والشيب للجهل حرب

سن وشيب وجهل

أمر لعمرك صعب

يا ابن إمام فألا

أيام عودي رطب

وإذا مشيبي قليل

ومنهل الحب عذب

وإذ شفاء الغواني

مني حديث وقرب

فالآن لما رأى بي ال

عذال ما قد أحبوا

وآنس الرشد مني

قوم أعاب وأصبو

آليت أشرب خمرا

ما حج لله ركب

وأقبلت على نفسي مخاطبا ولها معاتبا، والخطاب لغيرها والمعنى لها: لقد أمهلكم حتى كأنه أهملكم، أما تستحيون من طول ما لا تستحيون؟ فكن كالوليد تقلبه يد اللطف به على فراش العطف، عليه تصرف إليه المنافع بغير طلب منه لصغره، وتصرف عنه المضار بغير حذر منه لعجزه، أما سمعت الرسول - عليه الصلاة والسلام - إذ يقول في دعائه: «اللهم اكلأني كلأة الوليد الذي لا يدري ما يراد به، ولا ما يريد» ألا متعلق، والإذلال ذيال دليله، ألا معد مطية ورحلا ليوم رحيله؟! يا هلاه الدلجة الدلجة، إنه من لم يسبق إلى الماء يظمأ، إنما منعتك ما تشتهي ضنا بك وغيرة عليك، قال الرسول - عليه الصلاة والسلام: «إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا.» وأنت تشكوني إذا حميتك وتكره صيانتي إذا صنتك، ألا لائذ بفنائنا ليعز؟ ألا فار إلينا لا فار منا؟ يا من له بد من كل شيء ارحم من لا بد له منك على كل حال، الله يغني بشيء عن شيء. وليس يغني عنه بشيء؛ فلهذا قال جبريل للخليل: ألك حاجة؟ قال: «أما إليك فلا.» الله يستحق أن يسأل وإن أغنى؛ لأنه لا يغنى بشيء عنه أطعه لتطيعه ولا تطعه ليطيعك فتفر وتمل، من ترك تدبيره لتدبيرنا أرحناه، جل من لوالب القلوب والهمم بيده وعزائم الأحكام والأقسام عنده:

أنسيت ذكر أحبة

ينسون ذنبك عند ذكرك

وجفوتهم ولطالما

كانوا خلافك طوع أمرك

وصبرت عند فراقهم

ما كان عذرك عند صبرك

عشقت فأصبحت في العاشقين أشهر من فرس أبلق، تترك من إذا جفوته ونسيت ذكره وتعديت حده، وتركت نهيه وضيعت أمره، وتبت إليه وعولت في تفضله عليك عليه، وقلت يا رب ؛ قال لك لبيك:

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب (البقرة: 186)، إن كان الذباب بوجهك فأتهمك، وإن قطعت أنا أعضاءك، لا تتهمني أنت الذي إذا أعطيتك ما أملت تركتني وانصرفت:

وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه (الإسراء: 82، وفصلت: 51)، يا واقفا بالتهم كم كم، أليس يقول لك ما غرك بي؟ تقول: حلمك، وإلا لو أرسلت على بقة لجمعتني عليك، إذا أرادت أن تجمعني:

أمن بعد شربك كأس النهى

وشمك ريحان أهل التقى

عشقت فأصبحت في العاشقي

ن أشهر من فرس أبلقا

أدنياي من غمر بحر الهوى

خذي بيدي قبل أن أغرقا

أنا لك عبد فكوني كمن

إذا سره عبده أعتقا

كان ببغداد رجل كبير الرأس، فيلي الأذنين، اسمه «فاذوه»، رأسه في الأزمنة الأربعة مكشوف، لا يتورع عن ركوب مخزية، يقال له يا فاذوه، ويلك تب إلى الله، فيقول: يا قوم لم تدخلون بيني وبين مولاي، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، فكان في بعض الشوارع يوما ذاهبا، والشارع قد اتسع أسفله وضاق أعلاه والتقت جناحان فيه، فناولت جارة جارتها مهراسا انسل من يدها على رأس «فاذوه»، فهرس رأسه وخلط كخلط الهريسة، وأعجله عن التوبة. وكان لنا واعظ صالح يقول لنا: احذروا ميتة «فاذوه».

قال جبريل في حديثه: خشيت أن يتم فرعون الشهادة والتوبة، فأخذت قطعة من حال البحر فضربت بها وجهه، يعني: طينة، والحال ينقسم ثمانية أقسام منها الطين، فكيف يصنع من عنده أن التوبة لا تصح من ذنب، مع الإقامة على آخر؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله.

رسائل البلغاء · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٨٠