وله كتاب للثقفي في السلامة:
أما بعد: فإن مما نمق الله به مناقبك الكريمة المحمودة الغانية عن القول والوصف، أنك موضع المؤنات عن إخوانك حمال عنهم أثقال الأمور، مما وضعت عنه المؤنة ارتفاعك عن الأمور التي يطأطأ إليها الكلام على ألسنة الناس، إذا باحوه وبهرجوه، وضيعوا القول ونسوا القصد فيه، وأخذوا به في كل فن، وأصفوا بصفوته غير أهلها، فيما لا ينبغي لهم من التشبيه والتوقير والتفضيل، كان من خبري بعدك أني قدمت بلد كذا، فتهيأ لي بعض ما شخصت له، والمحمود على ذلك الله - عز وجل - وأنا على أن يأتيني خبرك محتاج، فأما جملة خبري في فراقك، فقلبي مكة كل ما سواك حرام فيها.
وله جواب في السلامة:
أما بعد: فقد أتاني كتاب الأمير رجعة كتابي إليه، فكان فيه تصديق الظن، وتثبيت الرأي، ودرك البغية والله محمود، فأمتع الله بالأمير وأمتعه بصالح ما آتاه، وزاده من الخيرات مستعمرا له فيه، مستعملا بطاعته التي بها يفوز الفائزون، والذي رزق الله من الأمير فهو عندي عظيم نفيس، وكل الذي قبلي عن مكافأته فمقصر، إلا أنه ليس في النية تقصير، ولا بلوغ لشيء من الأمور إلا بتوفيق الله - عز وجل - ومعونته، والسلام.
وله في السلامة جواب أيضا:
أما بعد: فلقد أتاني كتابك فيما أخبرتني عنه من صلاحك وصلاح ما قبلك، وفي الذي ذكرت نعمة مجللة عظيمة، نحمد عليها الله المنعم بها المحمود، ونسأله أن يلهمنا وإياك من شكره وذكره ما به مزيدها وتأدية حقها، نحن من عافية الله وكفايته ودفاعه على حال، لو أطنبت في ذكرها لم يكن في ذلك إحصاء للنعمة ولا اعتراف، لكنه الحق فنرغب إلى الذي يزيد في نعمه علينا تظاهرا ألا يجعل شكرنا منقوصا ولا مدخولا، وأن يرزقنا مع كل نعمة كفاء من المعرفة بفضله فيها، والعمل في أداء حقها.
وفي السلامة أيضا «ولم يقل إنها له»:
كتبت إليك وأمير المؤمنين وما يأتيه من لين الطاعة، واتساق الكلمة، عمت في الداني والقاصي من بلدانه، وحواشي سلطانه على ما يحمد الله عليه؛ فإن نعمة الله على أمير المؤمنين تجري على إذلالها، وتنقاد في أسهل سبيلها.
قال المؤلف: ومن مختار ما كتب به من باب الشكر، ولم أعرف إن كانت له أو لغيره؛ لأنه أورد «كتب» بضم أولها، ومع هذا فهذه هي الرسالة:
أما بعد: فما أعجز تعدادي عما أتعرف منك وأتعرفه بك دانيا ونائيا، وما أدري ما ابتدأتني به من معروفك أرهن لشكري، أم ما ثنيت به من برك لبدئك بعنايتك على نأيك، أم ما ألبستني جماله على لسانك بإطرائك وثنائك، أم ما عقدته لي عند غيرك بتلطفك وتأنيك، غير أني أعلم أنك لم تقصر في استحقاق شكر علي، وأرجو ألا أكون مقصرا في معرفة ذلك منك، ومن لم يقصر علمه، ولم يؤت في شكره إلا من عظم المعروف عنده مع جهده، فقد دخل بالعلم والجهد في الشاكرين، غير أن الذي آنستني به من رفدك وتوطيدك، قد زادني وحشة إليك، وإن حفظ من حفظني فيك، وإن لم يك مقصرا، وقد جدد لي المعرفة بوثارة مكاني عندك، ولقد بلغت أن أصلحت لي الأمور والرجال، وأصلحتني إلى صلاحي لنفسي، فليس كتابي هذا باستبطاء لأحد حتى يستبطئه، ولا شكري حتى يكون البدء منك، ولكن روحت عن نفسي بذكرك وزينتها بشكرك، وزكيتها بالإقرار بفضلك.
ولابن المقفع:
إن الناس لم يعدموا أن يطلبوا الحوائج إلى الخواص من الإخوان، وأن يتواصلوا بالحقوق ويرغبوا إلى أهل المقامات ويتوسلوا إلى الأكفاء، وأنت - بحمد الله ونعمته من أهل الخير، وممن أعان عليه وبذل لأهل ثقته المصافين، وإن بذل النفوس فيه وإعطاء الرغيب ليس منك ببكر ولا طريف، بل هو تليد أتلده أولكم لآخركم، وأورثه أكابركم أصاغركم، ومن حاجتي كذا وأنت أحق من طلبت إليه واستعنته على حوادث الدهر، وأنزلت به أمري لقرب نسبك، وكريم حسبك، ونباهتك وعلو منزلتك، وجسيم طبائعك، وعوام أياديك إلى عشيرتك وغيرها، فليكن من رأيك ما حملتك من حاجتي على قدر قسم الله لك من فضله، وما عودك من مننه، ووسع غيري من نعمائك وإحسانك.