والحمد لله الذي جعل صفو ما اختار من الأمور دينه الذي ارتضى لنفسه، ولمن أراد كرامته من عباده، فقام به ملائكته المقربون يعظمون جلاله ويقدسون أسماءه، ويذكرون آلاءه لا يستحسرون عن عبادته ولا يستكبرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وقام به من اختار من أنبيائه وخلفائه وأوليائه في أرضه، يطيعون أمره ويذبون عن محارمه، ويصدقون بوعده، ويوفون بعهده، ويأخذون بحقه، ويجاهدون عدوه. وكان لهم عندما وعدهم من تصديقه قولهم وإفلاجه حجتهم، وإعزازه دينهم، وإظهاره حقهم، وتمكينه لهم، وكان لعدوه وعدوهم عندما أوعدهم من خزيه وإخلاله بأسهم، وانتقامه منهم، وغضبه عليهم، مضى على ذلك أمره، ونفذ فيه قضاؤه فيما مضى، وهو ممضيه ومنفذه على ذلك فيما بقي ليتم نوره. ولو كره الكافرون ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
والحمد لله الذي لا يقضي في الأمور، ولا يدبرها غيره ابتدأها بعلمه وأمضاها بقدرته، وهو وليها ومنتهاها وولي الخيرة فيها، والإمضاء لما أحب أن يمضي منها، يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون، والحمد لله الفتاح العليم العزيز الحكيم ذي المن والطول والقدرة والحول، الذي لا ممسك لما فتح لأوليائه من رحمته، ولا دافع لما أنزل بأعدائه من نقمته، ولا راد لأمره في ذلك وقضائه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، والحمد لله المثيب بحمده ومنه ابتداؤه والمنعم بشكره، وعليه جزاؤه، والمثني بالإيمان، وهو عطاؤه.
كتب ابن المقفع إلى صديق ولدت له جارية:
بارك الله لكم في الابنة المستفادة، وجعلها لكم زينا، وأجرى لكم بها خيرا فلا تكرهها؛ فإنهن الأمهات والأخوات والعمات والخالات، ومنهن الباقيات الصالحات، ورب غلام ساء أهله بعد مسرتهم، ورب جارية فرحت أهلها بعد مساءتهم.
تعزية لابن المقفع عن ولد:
أعظم الله على المصيبة أجرك، وأحسن على جليل الرزء ثوابك، وعجل لك الخلف فيه، وذخر لك الثواب عليه.
وله:
إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه، فلا تجمعن إلى ما فجعت به من ولدك الفجيعة بالأجر عليه والعوض منه؛ فإنها أعظم المصيبتين عليك، وأنكى المرزيتين لك، أخلف الله عليك بخير، وذخر لك جزيل الثواب.
وتعزية له عن بنت:
لا ينقص الله عددك، ولا ينزع عنك نعمته التي ألبسك، وأحسن العوض لك، وجعل الخلف لك خيرا مما رزأك به، وما أعطاك خيرا مما قبض منك.
وله تعزية عن ابنة:
جدد الله لك من هبته ما يكون خلفا لك بما رزئته، وعوضا من المصيبة به ورزقك من الثواب عليه أضعاف ما رزأك به منها، فما أقل كثير الدنيا في قليل الآخرة مع فناء هذه، ودوام تلك.
وتعزية له أيضا:
أعظم الله أجرك في كل مصيبة، وأوزعك الشكر على كل نعمة، اعرف لله حقه، واعتصم بما أمر به من الصبر؛ تظفر بما وعد من عظيم الأجر.
وتعزية لابن المقفع:
أما بعد: فإن أمر الآخرة والدنيا بيد الله هو يدبرهما، ويقضي فيهما ما يشاء لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه؛ فإن الله خلق الخلق بقدرته، ثم كتب عليهم الموت بعد الحياة، لئلا يطمع أحد من خلقه في خلد الدنيا، ووقت لكل شيء ميقات أجل لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فليس أحد من خلقه إلا وهو مستيقن بالموت، لا يرجو بأن يخلصه من ذلك أحد، نسأل الله خير المنقلب، وبلغني وفاة فلان فكانت وفاته من المصائب العظام التي يحتسب ثوابها من ربنا، الذي إليه منقلبنا ومعادنا وعليه ثوابنا، فعليك بتقوى الله والصبر وحسن الظن بالله؛ فإنه جعل لأهل الصبر صلوات منه ورحمة، وجعلهم من المهتدين.
ولابن المقفع في السلامة:
أما بعد: فقد أتاني كتابك فيما أخبرتنا عنه من صلاحك وصلاح ما قبلك، وفي الذي ذكرت من ذلك نعمة مجللة عظيمة، نحمد عليها وليها المنعم المتفضل المحمود، ونسأله أن يلهمنا وإياك من شكره وذكر ما به مزيدها وتأدية حقها، وسألت أن أكتب إليك بخبرنا ونحن على حال لو أطنبت في ذكرها، لم يكن في ذلك إحصاء للنعمة، ولا اعتراف لكنه الحق، فنرغب إلى الذي تزداد نعمه علينا في كل يوم وليلة تظاهرا، ألا يجعل شكرنا منقوصا ولا مدخولا، وأن يرزقنا مع كل نعمة كفاءها من المعرفة بفضله فيها، والعمل في الأداء إليه حقها، إنه ولي قدير.