اعلم أن الناس يخدعون أنفسهم بالتعريض والتوقيع بالرجال، في التماس مثالبهم ومساويهم، وكل ذلك أبين عند سامعيه من وضح الصبح، فلا تكونن من ذلك في غرور، ولا تجعلن نفسك من أهله.
إني مخبرك عن صاحب كان أعظم الناس في عيني. وكان رأس ما أعظمه عندي صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد. وكان خارجا من سلطان فرجه، فلا يدعو إليه مؤنة، ولا يستخف له رأيا ولا بدنا. وكان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يقدم إلا على ثقة أو منفعة. وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بذ القائلين كان يرى مستضعفا، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا. وكان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراء، ولا يدلي بحجة حتى يجد قاضيا عدلا وشهودا عدولا. وكان لا يلوم أحدا على ما قد يكون العذر في مثله، حتى يعلم ما اعتذاره. وكان لا يشكو وجعا إلا إلى من يرجو عنده البرء ولا يصحب إلا من يرجو عنده النصيحة لهما جميعا. وكان لا يتبرم، ولا يتسخط، ولا يتشهى، ولا يتشكى، ولا ينتقم من الوالي، ولا يغفل عن العدو، ولا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه بحيلته وقوته، فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت ولن تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع، وبالله التوفيق.
| يتيمة ثانية لابن المقفع
توطئة للناشر
وقعت شبهة لبعض أهل العلم، فيما إذا كانت هذه الرسالة المنشورة قبل هي اليتيمة بعينها أم هي يتيمة ثانية لابن المقفع، ويزول هذا التناقض إذا لوحظ ما قاله إمام المتكلمين أبو بكر الباقلاني البصري المتوفى سنة ثلاث وأربعمائة، فإنه ذكر في كتابه إعجاز القرآن: أن الدرة اليتيمة كتابان، أحدهما: يتضمن حكما منقولة، والآخر: في شيء من الديانات، غير أنه يبقى هناك إشكال في أنه ليس في إحدى الرسالتين ما يتعلق بالديانات كما قال الباقلاني، وإذا رضينا بالظن فنقول: إن هذا الاسم وضعه أناس لبعض رسائل ابن المقفع. ومن هنا نشأ الاشتباه فعددها الناظرون، ويبعد أن يقال: إن ابن المقفع سمى الرسالتين معا باسم واحد لمخالفته في الظاهر لمقتضى الحكمة. ولو قلنا: إنه سمى إحدى الرسائل فيبعد - مع قرب عصر الناقلين عنه - وقوع الاشتباه في المسمى مع شدة عنايتهم بجميع ما قال.
أما الرسالة الثانية فمنقولة عن كتاب المنثور والمنظوم والمحفوظ في دار الكتب المصرية، لمؤلفه أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور من أبناء خراسان، ولد - كما جاء في فهرسها - سنة 204ه، وتوفي سنة 280ه، وهاك ما أورده ولم نحذف منه إلا بعض جمل أشرنا إليها بحرف «ف»؛ لأنها محرفة جدا لم نهتد إلى وجه الصواب فيها، قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر: ومن الرسائل المفردات اللواتي لا نظير لها ولا أشباه وهي أركان البلاغة، ومنها استقى البلغاء؛ لأنها نهاية في المختار من الكلام وحسن التأليف والنظام؛ الرسالة التي لابن المقفع، وهي اليتيمة؛ فإن الناس جميعا مجمعون أنه لم يعبر أحد عن مثلها، ولا تقدمها من الكلام شيء قبلها، ومن فصولها قوله في صدورها ولم نكتبها على تمامها لشهرتها وكثرتها في أيدي الرواة، فمن فصولها قوله في صدرها:
وقد أصبح الناس إلا قليلا ممن عصم الله مدخولين منقوصين: فقائلهم باغ، وسامعهم عياب، وسائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، وواعظهم غير محقق لقوله بالفعل، وموعوظهم غير سليم من الهزء والاستخفاف، ومستشيرهم غير موطن نفسه على إنفاذ ما يشار به عليه ومصطبر للحق مما يسمع، ومستشارهم غير مأمون على الغش والحسد، وأن يكون مهتاكا للستر، مشيعا للفاحشة، مؤثرا للهوى، والأمين منهم غير متحفظ من ائتمان الخونة، والصدوق غير محترس من حديث الكذبة، وذو الدين غير متورع عن تفريط الفجرة، يتقارضون الثناء، ويترقبون الدول ويعيبون بالهمز، يكاد أحزمهم رأيا يلفته عن رأيه أدنى الرضا وأدنى السخط، ويكاد يكون أمتنهم عودا أن تسحره الكلمة وتنكره اللحظة.