تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأعوان والفرصة زوج؛ لا تنفع الأعوان إلا عند الفرصة، ولا تنفع الفرصة إلا بحضور الأعوان، والتوفيق والاجتهاد زوج، فالاجتهاد سبب التوفيق؛ وبالتوفيق ينجح الاجتهاد.

يسلم العاقل من عظام الذنوب والعيوب بالقناعة ومحاسبة النفس.

لا تجد العاقل يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد ما لا يجد إنجازه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يقدم على ما يخاف العجز عنه.

وهو يسخي نفسه عما يغبط به القوالون خروجا من عيب التكذيب، ويسخي نفسه عما ينال به السائلون سلامته من مذلة المسألة، ويسخي نفسه عن فرح الرجاء خوف الإكداء، ويسخي نفسه عن محمدة المواعد براءة من مذمة الخلف، ويسخي نفسه عن مراتب المقدمين ما يرى من فضائح المقصرين.

لا عقل لمن أغفله عن آخرته ما يجده من لذة دنياه. وليس من العقل أن يحرمه حظه من الدنيا بصره بزوالها.

حاز الخير رجلان سعيد ومرجو: فالسعيد الفالج، والمرجو من لم يخصم، والفالج الصالح ما دام في قيد الحياة، وتعرض الفتن في مخاصمة الخصماء من الأهواء والأعداء.

السعيد يرغبه الله في الآخرة؛ حتى يقول لا شيء غيرها، فإذا هضم دنياه وزهد فيها لآخرته، لم يحرمه الله بذلك نصيبه من الدنيا، ولم ينقصه من سروره فيها، والشقي يرغبه الشيطان في الدنيا حتى يقول: لا شيء غيرها، فيعجل الله له التنغيص في الدنيا التي آثر، مع الخزي الذي يلقى بعدها.

الرجال أربعة: جواد، وبخيل، ومسرف، ومقتصد؛ فالجواد الذي يوجه نصيب آخرته ونصيب دنياه جميعا في أمر آخرته.

والبخيل الذي لا يعطي واحدة منهما نصيبها، والمسرف الذي يجمعهما لدنياه، والمقتصد الذي يلحق بكل واحدة منهما نصيبها.

أغنى الناس أكثرهم إحسانا.

قال رجل لحكيم: ما خير ما يؤتى المرء؟ قال: غريزة عقل.

قال: فإن لم تكن، قال: فتعلم علم، قال: فإن حرمه، قال: صدق اللسان، قال: فإن حرمه، قال: سكت طويل، قال: فإن حرمه، قال: ميتة عاجلة.

من أشد عيوب الإنسان خفاء عيوبه عليه؛ فإنه من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسن غيره ، ومن خفي عليه عيب نفسه، ومحاسن غيره لم يقلع عن عيبه الذي لا يعرف، ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصرها أبدا. «خمول الذكر أجمل من الذكر الذميم لا يوجد الفخور محمودا، ولا الغضوب مسرورا ولا الحر حريصا ولا الكريم حسودا، ولا الشره غنيا ولا الملول ذا إخوان».

خصال يسر بها الجاهل كلها كائن عليه وبالا، منها: أن يفخر من العلم والمروءة بما ليس عنده، ومنها: أن يرى بالأخيار من الاستهانة والجفوة ما يشمته بهم.

ومنها: أن يناقل عالما وديعا منصفا له في القول، فيشتد صوت ذلك الجاهل عليه، ثم يفلجه نظراؤه من الجهال حوله بشدة الصوت وكثرة الضحك.

ومنها: أن تفرط منه الكلمة، أو الفعلة المعجبة للقوم فيذكر بها، ومنها: أن يكون مجلسه في المحفل، أو عند السلطان فوق مجالس أهل الفضل عليه.

من الدليل على سخافة المتكلم أن يكون ما يرى من ضحكه ليس على حسب ما عنده من القول، أو يجاذب الرجل الكلام، وهو يكلم صاحبه ليكون هو المتكلم، أو يتمنى أن يكون صاحبه قد فرغ وأنصت له، فإذا أنصت له لم يحسن الكلام.

فضل العلم في غير الدين مهلكة، وكثرة الأدب في غير رضوان الله ومنفعة الأخيار قائد إلى النار.

والحفظ الذكي الواعي بغير العلم النافع مضر بالعمل الصالح، والعقل غير الوازع عن الذنوب خازن للشيطان.

لا يؤمننك شر الجاهل قرابة، ولا جوار ولا إلف؛ فإن أخوف ما يكون الإنسان لحريق النار أقرب ما يكون منها، وكذلك الجاهل إن جاورك أنصبك وإن ناسبك جنى عليك، وإن ألفك حمل عليك ما لا تطيق، وإن عاشرك آذاك وأخافك مع أنه عند الجوع سبع ضار، وعند الشبع ملك فظ، وعند الموافقة في الدين قائد إلى جهنم، فأنت بالهرب منه أحق منك بالهرب من سم الأساود والحريق المخوف، والدين الفادح والداء العياء.

رسائل البلغاء · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ١٥