لا يثبت دين المرء على حالة واحدة أبدا، ولكنه لا يزال إما زائدا، وإما ناقصا.
من علامات اللئيم المخادع: أن يكون حسن القول، سيئ الفعل، بعيد الغضب، قريب الحسد، حمولا للفحش، مجازيا بالحقد، متكلفا للجود صغير الخطر، متوسعا فيما ليس له، ضيقا فيما يملك.
وكان يقال: إذا تخالجتك الأمور فاستقل أعظمها خطرا؛ فإن لم يستبن ذلك فأرجاها دركا؛ فإن اشتبه ذلك فأجدرها ألا يكون له مرجوع، حين تولي فرصته.
وكان يقال: الرجال أربعة؛ اثنان تختبر ما عندهما بالتجربة، واثنان قد كفيت تجربتهما، فأما اللذان تحتاج إلى تجربتهما؛ فإن أحدهما بر كان مع أبرار، والآخر فاجر كان مع فجار؛ فإنك لا تدري لعل البر منهما إذا خالط الفجار أن يتبدل فيصير فاجرا، ولعل الفاجر منهما إذا خالط الأبرار أن يتبدل، فيصير برا، فيتبدل البر فاجرا، والفاجر برا.
وأما اللذان قد كفيت تجربتهما، وتبين لك ضوء أمرهما؛ فإن أحدهما فاجر كان في أبرار، والآخر بر كان في فجار.
حق على العاقل أن يتخذ مرآتين، فينظر من إحداهما في مساوئ نفسه، فتتصاغر بها ويصلح ما استطاع منها، وينظر من الأخرى في محاسن الناس فيحليهم بها، ويأخذ ما استطاع منها.
احذر خصومة الأهل والولد والصديق والضعيف، واحتجج عليهم بالحجج.
لا يوقعنك بلاء تخلصت منه في آخر، لعلك ألا تخلص منه.
الورع لا يخدع، والأريب لا يخدع.
ومن ورع الرجل ألا يقول ما لا يعلم، ومن الأرب أن يتثبت فيما يعلم.
وكان يقال: عمل الرجل فيما يعلم أنه خطأ هوى، والهوى آفة العفاف، وتركه العمل بما يعلم أنه صواب تهاون، والتهاون آفة الدين.
وإقدامه على ما لا يدري أصواب هو أم خطأ جماح، والجماح آفة العقل.
وكان يقال: وقر من فوقك، ولن لمن دونك، وأحسن مواتاة أكفائك، وليكن آثر ذلك عندك مواتاة الأكفاء؛ فإن ذلك هو الذي يشهد لك أن إجلالك من فوقك ليس بخضوع منك لهم، وأن لينك لمن دونك ليس لالتماس خدمتهم.
خمسة مفرطون في خمسة أشياء مندمون عليها: الواهن المفرط إذا فاته العمل، والمنقطع من إخوانه وصديقه إذا نابته النوائب، والمستمكن منه عدوه لسوء رأيه إذا تذكر عجزه، والمفارق الزوجة الصالحة إذا ابتلي بالطالحة، والجريء على الذنوب إذا حضره الموت.
أمور لا تصلح إلا بقرائنها: لا ينفع العقل بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا شدة البطش بغير شدة القلب، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير جود، ولا المروءة بغير تواضع، ولا الخفض بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق.
أمور هن تبع لأمور: فالمروات كلها تبع للعقل، والرأي تبع للتجربة، والغبطة تبع لحسن الثناء، والسرور تبع للأمن، والقرابة تبع للمودة، والعمل تبع للقدر، والجدة تبع للإنفاق.
أصل العقل التثبت وثمرته السلامة، وأصل الورع القناعة وثمرته الظفر، وأصل التوفيق العمل وثمرته النجح.
لا يذكر الفاجر في العقلاء، ولا الكذوب في الأعفاء، ولا الخذول في الكرماء، ولا الكفور بشيء من الخير.
لا تؤاخين خبا، ولا تستنصرن عاجزا، ولا تستعينن كسلا.
إن من أعظم ما يروح به المرء نفسه ألا يجري لما يهوى. وليس كائنا إلا لما لا يهوى، وهو لا محالة كائن.
اغتنم من الخير ما تعجلت، ومن الأهواء ما سوفت، ومن النصب ما عاد عليك، ولا تفرح بالبطالة ولا تجبن عن العمل.
من استعظم من الدنيا شيئا فبطر، واستصغر من البر شيئا فتهاون، واحتقر من الإثم شيئا فاجترأ عليه، واغتر بعدو وإن قل فلم يحذره؛ فذلك من ضياع العقل.
لا يستخف ذو العقل بأحد، وأحق من لم يستخف به ثلاثة: الأتقياء، والولاة، والإخوان؛ فإنه من استخف بالأتقياء أهلك دينه، ومن استخف بالولاة أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان أفسد مروءته.
من حاول الأمور احتاج فيها إلى ست: الرأي، والتوفيق، والفرصة، والأعوان، والأدب، والاجتهاد، وهن أزواج؛ فالرأي والأدب زوج، لا يكمل الأدب إلا بالرأي، ولا يكمل الرأي بغير الأدب.