تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفضل ما يعلم به علم ذي العلم، وصلاح ذي الصلاح أن يستصلح، بما أوتي من ذلك، من استطاع من الناس، ويرغبهم فيما رغب فيه لنفسه من حب الله، وحب حكمته والعمل بطاعته والرجاء لحسن ثوابه في المعاد إليه، وأن يبين الذي لهم من الأخذ بذلك، والذي عليهم في تركه، وأن يورث ذلك أهله ومعارفه، ليلحقه أجره من بعد الموت.

الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله تعالى إلى خلقه، وأعظمها منفعة، وأحمدها في كل حكمة؛ فقد بلغ فضل الدين والحكمة أن مدحا على ألسنة الجهال على جهالتهم بهما، وعماهم عنهما.

أحق الناس بالسلطان أهل الرأفة، وأحقهم بالتدبير العلماء، وأحقهم بالعلم أحسنهم تأديبا.

وأحقهم بالغنى أهل الجود، وأقربهم من الله أنفذهم في الحق علما وأكملهم به عملا، وأحكمهم أبعدهم من الشك في الله تعالى، وأصوبهم رجاء أوثقهم بالله، وأشدهم انتفاعا بعلمه أبعدهم من الأذى، وأرضاهم في الناس أفشاهم معروفا، وأقواهم أحسنهم معونة، وأشجعهم أشدهم على الشيطان، وأفلجهم بالحجة أغلبهم للشهوة والحرص، وآخذهم بالرأي أتركهم للهوى، وأحقهم بالمودة أشدهم لنفسه حياء، وأجودهم أصوبهم بالعطية موضعا، وأطولهم راحة أحسنهم للأمور احتمالا، وأقلهم دهشا أرحبهم ذرعا، وأوسعهم غنى أقنعهم بما أوتي، وأخفضهم عيشا أبعدهم من الإفراط، وأظهرهم جمالا أظهرهم حصافة، وآمنهم في الناس أكلهم نابا ومخلبا، وأثبتهم شهادة عليهم أنطقهم عنهم، وأعدلهم فيهم أدومهم مسالمة لهم ، وأحقهم بالنعم أشكرهم لما أوتي منها.

أفضل ما يورث الآباء الأبناء الثناء الحسن، والأدب النافع، والإخوان الصالحين.

فصل: فضل ما بين الدين والرأي: أن الدين يسلم بالإيمان، وأن الرأي يثبت بالخصومة، فمن جعل الدين خصومة، فقد جعل الدين رأيا، ومن جعل الدين رأيا، فقد صار شارعا، ومن كان هو يشرع لنفسه الدين فلا دين له.

قد يشتبه الدين والرأي في أماكن، لولا تشابههما لم يحتاجا إلى الفصل.

العجب آفة العقل، واللجاجة قعود الهوى، والبخل لقاح الحرص، والمراء فساد اللسان، والحمية سبب الجهل، والأنف توأم السفه، والمنافسة أخت العداوة.

إذا هممت بالخير فبادر هواك لا يغلبك، وإذا هممت بشر فسوف هواك لعلك تظفر؛ فإن ما مضى من الأيام والساعات على ذلك، هو الغنم.

لا يمنعنك صغر شأن امرئ من اجتباء ما رأيت من رأيه صوابا، واصطفاء ما رأيت من أخلاقه كريما؛ فإن اللؤلؤة الفائقة لا تهان لهوان غائصها الذي استخرجها.

من أبواب الترفق والتوفيق في التعليم أن يكون وجه الرجل الذي يتوجه فيه من العلم والأدب فيما يوافق طاعة، ويكون له عنده محمل وقبول، فلا يذهب عناؤه في غير غناء ولا تفنى أيامه في غير درك، ولا يستفرغ نصيبه فيما لا ينجع فيه، ولا يكون كرجل أراد أن يعمر أرضا تهمة، فغرسها جوزا ولوزا، وأرضا جلسا فغرسها نخلا وموزا.

العلم زين لصاحبه في الرخاء، ومنجاة له في الشدة.

بالأدب تعمر القلوب، وبالعلم تستحكم الأحلام، فالعقل الزاكي غير الصنيع، كالأرض الطيبة الخراب.

مما يدل على معرفة الله «وهو» سبب الإيمان: أن وكل بالغيب لكل ظاهر من الدنيا صغير أو كبير عينا، فهو يصرفه ويحركه، فمن كان معتبرا بالجليل من ذلك فلينظر إلى السماء، فيعلم أن لها ربا يجري فلكها، ويدبر أمرها، ومن اعتبر بالصغير فلينظر إلى حبة الخردل؛ فيعرف أن لها مدبرا ينبتها ويزكيها ويقدر لها أقواتها من الأرض والماء يوقت لها زمان نباتها وزمان تهشمها، وأمر النبوة والأحلام وما يحدث في أنفس الناس من حيث لا يعلمون، ثم يظهر منهم بالقول والفعل، ثم اجتماع العلماء والجهال والمهتدين والضلال على ذكر الله تعالى وتعظيمه، واجتماع من شك في الله تعالى وكذب به على الإقرار بأنهم أنشئوا حديثا ومعرفتهم أنهم لم يحدثوا أنفسهم؛ فكل ذلك يهدي إلى الله، ويدل على الذي كانت منه هذه الأمور مع ما يزيد ذلك يقينا عند المؤمنين، بأن الله حق كبير، ولا يقدر أحد أنه باطل.

رسائل البلغاء · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ١٢