تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم على الملوك، بعد ذلك، تعهد عمالهم، وتفقد أمورهم؛ حتى لا يخفى عليهم إحسان محسن ولا إساءة مسيء.

ثم عليهم بعد ذلك ألا يتركوا محسنا بغير جزاء، ولا يقروا مسيئا ولا عاجزا على الإساءة والعجز؛ فإنهم إن تركوا ذلك تهاون المحسن، واجترأ المسيء وفسد الأمر وضاع العمل.

اقتصاد السعي أبقى للجمام، وفي بعد الهمة يكون النصب، ومن سأل فوق قدره استحق الحرمان.

سوء حمل الغنى أن يكون عند الفرح مرحا، وسوء حمل الفاقة أن يكون عند الطلب شرها، وعار الفقر أهون من عار الغنى، والحاجة مع المحبة خير من الغنى مع البغضة. والدنيا دول؛ فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بقوتك.

إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق، وأبين في المعنى، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث.

أشد الفاقة عدم العقل، وأشد الوحدة وحدة اللجوج، ولا مال أفضل من العقل، ولا أنس آنس من الاستشارة.

مما يعتبر به صلاح الصالح وحسن نظره للناس؛ أن يكون إذا استعتب المذنب ستورا لا يشيع، وإذا استشير سمحا بالنصيحة مجتهدا للرأي، وإذا استشار مطرحا للحياء، ومعترفا للحق.

القسم الذي يقسم للناس ويمتعون به نحوان: فمنه حارس، ومنه محروس، فالحارس العقل، والمحروس المال.

والعقل - بإذن الله - هو الذي يحرز الحظ ويؤنس الغربة، وينفي الفاقة ويعرف النكرة، ويثمر المكسبة ويطيب الثمرة ويوجه السوقة عند السلطان، ويستنزل للسلطان نصحة السوقة، ويكسب الصديق، وينفي العدو.

كلام اللبيب وإن كان نزرا أدب عظيم، ومقارفة المأثم وإن كان محتقرا مصيبة جليلة، ولقاء الإخوان وإن كان يسيرا غنم حسن.

قد يسعى إلى أبواب السلطان أجناس من الناس كثيرا، أما الصالح فمدعو ، وأما الطالح فمقتحم، وأما ذو الأدب فطالب، وأما من لا أدب له فمحتبس، وأما القوي فمدافع، وأما الضعيف فمدفوع، وأما المحسن فمستثيب، وأما المسيء فمستجير؛ فهو مجمع البر والفاجر، والعالم والجاهل، والشريف والوضيع.

الناس إلا قليلا ممن عصم الله مدخولون في أمورهم: فقائلهم باغ، وسامعهم عياب، وسائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، وواعظهم غير محقق لقوله بالفعل، وموعوظهم غير سليم من الاستخفاف، والأمين منهم غير متحفظ من إتيان الخيانة، وذو الصدق غير محترس من حديث الكذبة، وذو الدين غير متورع عن تفريط الفجرة، والحازم منهم غير تارك لتوقع الدوائر، يتناقضون البنى، ويترقبون الدول.

ويتعاطون القبيح، ويتعاينون بالغمز، ويرعون في الرخاء بالتحاسد، وفي الشدة بالتجاذب.

ثم قد انتزعت الدنيا ممن قد استمكن منها، واعتكفت له فأصبحت الأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم، وأخذ متاعهم من لم يحمدهم، وخرجوا إلى من لا يعذرهم، فأصبحنا خلفا من بعدهم نتوقع مثل الذي نزل بهم، فنحن إذا تدبرنا أمورهم أحقاء أن ننتظر ما نغبطهم به فنتبعه، وما نخاف عليهم منه فنجتنبه.

كان يقال: إن الله تعالى قد يأمر بالشيء ويبتلي بثقله، وينهى عن الشيء ويبتلي بشهوته، فإذا كنت لا تعمل من الخير إلا ما اشتهيت، ولا تترك من الشر إلا ما كرهت؛ فقد أطلعت الشيطان على عورتك وأمكنته من أزمتك، فأوشك أن يقتحم عليك فيما تحب من الخير فيكرهه إليك، وفيما تكرهه من الشر فيحببه إليك.

ولكن ينبغي لك في حب ما تحب من الخير التحامل على ما يستثقل منه، وينبغي لك في كراهة ما تكره من الشر التجنب لما تحب منه.

للدنيا زخرف يغلب الجوارح ما لم تغلبه الألباب، والحكيم من لم يغض عليه طرفه، ولم يشغل به قلبه اطلع من أدناه فيما وراءه، وذكر في بدئه لواحق شره، فأكل مره وشرب كدره ليحلو لي وله ويصفو في طول من إقامة العيش الذي يبقى ويدوم، غير عائف للرشد إن لم يلقه برضاه، ولم يأته من طريق هواه.

لا تألف المستوخم، ولا تقم على غير الثقة، قد بلغ فضل الله على الناس من السعة، وبلغت نعمته عليهم من السبوغ ما لو أن أخسهم حظا وأقلهم منه نصيبا، وأضعفهم علما، وأعجزهم عملا وأعياهم لسانا بلغ من الشكر له، والثناء عليه بما خلص إليه من فضله، ووصل إليه من نعمته ما بلغ له منه أعظمهم حظا، وأوفرهم نصيبا وأفضلهم علما، وأقواهم عملا، وأبسطهم لسانا؛ لكان عما استوجب الله عليه مقصرا، وعن بلوغ غاية الشكر بعيدا، ومن أخذ بحظه من شكر الله وحمده ومعرفة نعمه والثناء عليه والتحميد له؛ فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله والقربة عنده والوسيلة إليه، والمزيد فيما شكره عليه؛ خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة.

رسائل البلغاء · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ١١