وقد قضى الله لها بالفضل على جميع الخليقة؛ إذ جعل الأئمة منها والإمامة فيها مقصورة عليها، ألا تكون لغيرها، والإمامة هي التقدم، وهذا نص ليس فيه حيلة لمتأول، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «الأئمة من قريش.» وروى وكيع عن الأعمش عن جابر قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «الناس تبع لقريش في الخير والشر.» وروى وكيع عن سفيان عن ابن خثيم، عن إسماعيل، عن عبد الله، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «إن قريشا أهل صبر وأمانة، فمن بغاهم الغوائل كبه الله لوجهه يوم القيامة.» وروي عن عبد الأعلى عن معمر، عن الزهري عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: «تعلموا من قريش ولا تعلموها.» وقدموا قريشا ولا تؤخروها، وروى يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب، عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عبد الرحمن عن جبير بن مطعم أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: «إن للقرشي قوة رجلين من غير قريش.» قيل للزهري: ما عنى بذلك؟ قال: فضل الرأي، قال: وكان يقال: قريش الكتبة الحسبة ملح هذه الأمة، علم عالمها طباق الأرض.
وحدثني يزيد بن عمرو عن محمد بن يوسف، عن أبيه عن إبراهيم عن مكحول أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: «لا يقومن أحد إلا لهاشمي.»
وحدثني يزيد بن عمرو، قال: حدثنا نصر بن خلف الضبي، قال: حدثنا علي بن عبد الله بن وثاب المدني عن مطرف بن خويلد الهذلي، قال: سمع رسول الله
صلى الله عليه وسلم
رجلا وهو يقول:
إني امرؤ حميري حين تنسبني
لا من ربيعة آبائي ولا مضر
فقال: ذاك أصرع لخدك، وأبعد لك من الله ورسوله.
وحدثنا محمد بن عبيد، قال: حدثنا أبو زيد شجاع بن الوليد، قال: حدثنا أبو قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «يا سلمان، لا تبغضني فتفارق دينك.» قال: قلت يا رسول الله، كيف أبغضك وبك هداني الله؟! قال: «لا تبغض العرب فتبغضني.»
وروى محمد بن بشر العبدي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عن حصن بن عمير، عن مخارق بن عبد الله بن جابر، عن طارق بن شهاب، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودتي.»
وروى حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن المؤمل، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «إذا اختلف الناس فالحق في مضر.»
وروى أبو نعيم، عن الثوري، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن أبي وداعة والمطلب بن ربيعة أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: «إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقا فجعلني في خيرهم فرقة، وخلق قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا.»
ثم يتلو العرب في شرف الطرفين أهل خراسان أهل الدعوة وأنصار الدولة؛ فإنهم لم يزالوا في أكثر ملك العجم لقاحا لا يؤدون إلى أحد إتاوة ولا خراجا. وكانت ملوك العجم قبل ملوك الطوائف تنزل بلخ، ثم نزلوا بابل ثم نزل «أزدشير بابك» فارس، فصارت دار ملكهم وصار بخراسان ملوك الهياطلة، وهم الذين قتلوا فيروز بن يزدجرد بن بهرام ملك فارس. وكان غزاهم فكادوه في طريقه بمكيدة، حتى سلك سبيلا معطشة مهلكة، ثم خرجوا إليه فأسروه وأكثر أصحابه، فسألهم أن يمنوا عليه وعلى من أسر معه وأعطاهم موثقا من الله ألا يغزوهم، ولا يجوز حدودهم ونصب حجرا بينه وبين بلدهم جعله الحد الذي حلف عليه وأطلقوه. فلما عاد إلى مملكته أخذته الأنفة والحمية بما أصابه، فعاد لغزوهم ناكثا لأيمانه غادرا بذمته، وحمل الحجر الذي كان نصب أمامه في مسيره بتأول أنه ما تقدم الحجر فإنه لم يجزه، فلما سار إليهم ناشدوه الله وأذكروه ما جعل على نفسه من عهده وذمته، فأبى إلا لجاجا ونكثا فواقعوه فقتلوه وقتلوا حماته وكماته، واستباحوا عسكره، وأسروا ضعفته ولبثوا في أيديهم أسرى، ثم أعتقوهم وأطلقوهم وغبروا بعد ذلك زمانا طويلا، وقتلوا كسرى بن فيروز وهذا شيء يخبر به عن فارس، فيما دونوا في سير ملوكهم من أخبارهم، ومن أقر بهذا على نفسه لعدوه وأباحه لخصمه، فما ظنك بما ستر ورين من أمره.