وكان لقريش بيت الله الحرام العتيق من الجبابرة المنصور بالطير الأبابيل، لم يزالوا ولاته وسدنته والقائمين لأموره والمعظمين لشعاره. وكان يقال لهم أهل الله وجيران الله؛ لنزولهم الحرم وجوارهم البيت. وكان فيهم بقايا من الحنيفية يتوارثونها عن إسماعيل
صلى الله عليه وسلم
منها حج البيت الحرام وزيارته والختان والغسل، والطلاق والعتق وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والرضاع والصهر.
وقد كان حاجب بن زرارة وفد على كسرى، فرأى العجم ينكحون الأخوات والبنات فسولت له نفسه التأسي بهم، والدخول في ملتهم فنكح ابنته، ثم ندم على ذلك فقال:
لحا الله دينك من أغلف
يحل الأخوات لنا والبنات
أجشت على أسرتي سوءة
وطوقت جيدي بالمخزيات
وأبقيت في عنقي سبة
مشاتم يحيين بعد الممات
فتاة تجللها شيخها
فبئس الشيخ ونعم الفتاة
ومما كان بقي فيهم من الحنيفية إيمانهم بالملكين الكاتبين، حدثني بعض أصحابنا عن عبد الرحمن بن خالد الناقد، قال: كان الحسن بن جهور مولى المنصور خرج إلى بعض ولد سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب كتابا، كان لعبد المطلب بن هاشم كتبه بخطه، فإذا هو مثل خط النساء، وإذا هو: باسمك اللهم، ذكر حق عبد المطلب بن هاشم من أهل مكة على فلان بن فلان الحميري من أهل أول صنعاء عليه ألف درهم فضة طيبة كيلا بالحديدة، ومتى دعاه بها أجابه شهد الله بذلك والملكان: وقال الأعشى:
ولا تحسبني كافرا لك نعمة
على شاهدي يا شاهد الله فاشهد
قوله على شاهدي؛ أي على لساني شاهد الله، يعني: الملك.
ومن ذلك أحكام كانت في الجاهلية أقرها الله في الإسلام، لا يبعد أن تكون من بقايا دين إسماعيل - عليه السلام - منها دية النفس مائة من الإبل، ومنها اتباع حكم المبال في الخنثى، ومنها البينونة بطلاق الثلاثة، وللزوج على المرأة في الواحدة والاثنين، فهذه حالها في الجاهلية مع أحوال كثيرة في العلم والمعرفة، سنذكرها بتمامها بعد - إن شاء الله - ثم أتى الله بالإسلام، فابتعث منها النبي
صلى الله عليه وسلم
سيد الأنبياء، وخاتم الرسل وناسخ كل شرعة وحائز كل فضيلة، ونشر عددها وجمع كلمتها وأمدها بملائكته، وأيدها بقوته ومكن لها في البلاد وأوطأها رقاب الأمم، وجعل فيها خلافة النبوة، ثم الإمامة خالدة تالدة حتى يأتي المسيح - عليه السلام - فيصلي خلف الإمام منها فاردة لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها.
وخاطبها وهي يومئذ لا عجم فيها. فقال:
كنتم خير أمة أخرجت للناس ، فلها فضل هذا الخطاب والأمم طرا داخلة عليها فيه، وأما قوله لبني إسرائيل:
فضلتكم على العالمين (البقرة: 122)؛ فإنه من باب العام الذي أريد به الخاص، كقوله حكاية عن إبراهيم:
وأنا أول المسلمين (الأنعام: 163)، وحكاية عن موسى:
وأنا أول المؤمنين (الأعراف: 143)، وقد كانت الأنبياء قبلهما مؤمنين ومسلمين؛ فإنما أراد موسى زمانه، وكذلك قوله:
فضلتكم على العالمين
يريد على زمانهم، وقوله لقريش:
أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم (الدخان: 37)، ليس فيه دليل على أن أهل اليمن خير من قريش في الحسب، ولا أنهم مثلهم وهم من ولد إبراهيم - عليه السلام - ومن الذرية التي اصطفى الله على العالمين. وليس لليمن والد من الأنبياء دون نوح، وإنما خاطب الله بها مشركي قريش، ووعظهم بمن قبلهم من الأمم الهالكة لمعصيته، وحذرهم أن ينزل بهم مثل ما أصابهم. فقال:
أهم خير
من أولئك الذين كانت فيهم التبابعة والملوك ذوو الجنود، والعدد فأهلكناهم بالذنوب، والخير قد يقع في أسباب كثيرة، يقال هذا خير الفارسين يريد أجلدهما، وهذا خير العودين يريد أصلبهما. وكانت قريش - كما قال الله - قليلا فكثرهم، ومستضعفين فأيدهم بنصره، وخائفين أن تتخطفهم الملوك فآمنهم بحرمه، بما رهصه لهم وأراد من تمكينهم وإعلاء كلمتهم وإظهار نوره لهم، وتغيير ممالك الأمم لهم، ومن ذا من المسلمين يصح إسلامه ويصح عقده يقدم على قريش أو يعادل بها.