تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

وتقل المياه حتى يضطر الأهلون أن يستقوا من أماكن بعيدة، وفي اليوم السابع اجتزنا بقرى الساحل أمثال جبنة، سدود، مجدل، بربرة، بئر هديهد، غزة، وقضينا الليل في دير البلح، وفي اليوم الثامن بدأ سيرنا في رمال على نحو ثلاث ساعات من غزة، وبعد أن سرنا ست ساعات دخلنا في رفح أول حدود مصر والشام، وقد كانت تنتابني الهواجس تلك الليلة، أحاذر أن أقع في يد عدو للحرية أو أن أجالس من يستدل بذكائه على أنني لست من تجارة الإبل في العير ولا في النقير، أو لا ناقة لي في ذلك القطيع ولا جمل، فما فتحت عيني قبيل الغسق، إلا وأنا أنشد بيت المتنبي:

تدبير ذي حنك يفكر في غد

وهجوم غر لا يخاف عواقبا

فتفاءلت خيرا بالنجاة، وإن كنت لا أحب التفاؤل ولا التشاؤم، ولا أبني أعمالي على الأحلام والمرائي، حتى إذا قيل لي: ها أنت في رفح تدوس تربة مصر، قلت: ما أحراها أن تدعى فرحا لا رفحا؛ ليكون لكل شيء من اسمه نصيب، ولا غرو، فليس أحلى من النجاة على من كان يتوقع الخطر، أو من الوصل على من طال به السهاد والسهر.

ومن عجيب ما لاحظته في أراضي فلسطين، أنني شهدت لحكومتها بعض أثر من عمل مثل إنشائها بعض الجسور على الأودية، في حين لم أر عملا عمرانيا في ولايتي سورية وبيروت، كأن مجاورة لواء القدس للأراضي المصرية عدت فلسطين أو القسم الأعظم منها من ارتقاء بلاد الفراعنة، فصحت عزيمة حكومة القدس على أن تمد جسورا على الأقل، وتعبد الطرق بعض الشيء، لا جرم أن العلى تعدى كما قال أبو تمام. ولقد كنا كلما اقتربنا من غزة نحس بتغبر المشاهد في بلاد أشبه بهوائها وزراعتها بالبلاد المصرية، والناس يكادون يشبهون سكان الصعيد بألبستهم ولهجاتهم، وهذا من عدوى الجوار، وكثرة اختلاط المتجاورين من سكان القطرين، فإنك كما ترى جمهورا كبيرا من جالية المصريين في يافا وغزة، هكذا تجد الجميز والموز من أشجار البلاد الحارة شائعين في صقع غزة.

دخلنا اليوم التاسع في رمال، ولم يكن يتغير شكلها خمسة أيام متوالية إلى أن قالت الإسماعيلية: ها أنا ذه، وهذه الرمال كانت تعرف قديما بالجفار جمع جفر، وهي البئر القريبة القعر الواسعة لم تطو، قال ياقوت: وهي أرض من مسيرة سبعة أيام بين فلسطين ومصر، أولها رفح من جهة الشام وآخرها الخشبي، متصلة برمال تيه بني إسرائيل، والخشبي بينه وبين الفسطاط ثلاث مراحل كما في معجم البلدان، فيه خان، وهو أول الجفار من ناحية مصر وآخرها من ناحية الشام، قال أبو العز مطفر بن إبراهيم بن جماعة بن علي الضرير العيلاني معتذرا عن تأخره لتلقي الوزير الصاحب صفي الدين بن شكر، وكان قد تلقى إلى هذا الموضع:

قالوا إلى الخشبي سرنا على لهف

نلقى الوزير جموعا من ذوي الرتب

ولم تسر قلت والمولى ونعمته

ما خفت من تعب ألقى ولا نصب

وإنما النار في قلبي لغيبته

فخفت أجمع بين النار والخشب

وكل الجفار رمال سائلة بيض، في غربيها منعطف نحو الشمال بحر الشام، وفي شرقيها منعطف نحو الجنوب بحر القلزم، وسميت الجفار لكثرة الجفار بأرضها، ولا شرب لسكانها إلا منها، وكان فيها لعهد ياقوب نخل كثير ورطب جيد، وهو ملك القوم متفرقين في قرى مصر يأتونه أيام لقاحه فيلقحونه، وأيام إدراكه فيجنونه، وينزلون بينه بأهاليهم في بيوت من سعف النخل والحلفاء، وفي الجادة السابلة إلى مصر عدة مواضع عامرة، يسكنها قوم من السوقة للمعيشة على القوافل، وهي رفح والقس والزعقا والعريش والورادة وقطية، وفي كل موضع من هذه المواضع عدة دكاكين،

4

قال المهلبي: وأعيان مدن الجفار العريش ورفح والورادة، والنخل في جميع الجفار كثير، وكذلك الكروم وشجر الرمان (أما نحن فلم نر كرما ولا رمانا ولا دكانا ولا خانا)، وأهلها بادية متحضرون، ولجميعهم في ظواهر مدنهم أجنة وأملاك وأخصاص فيها منهم كثير، ويزرعون في الرمل زرعا ضعيفا يؤدون فيه العشر، وكذلك يؤخذ من ثمارهم، ويقطع في وقت من السنة إلى بلدهم من بحر الروم طير من السلوى يسمونه المرغ (والمرغ هو الطير بالفارسية)، يصيدون فيه ما شاء الله، يأكلونه طريا، ويقتنونه مملوحا، ويقطع أيضا إليهم من بلد الروم على البحر في وقت من السنة جارح كثير، فيصيدون منه الشواهين والصقور والبواشق، وقل ما يقدرون على البازي، وليس لصقورهم وشواهينهم من الفراهة ما لبواشقهم، وليس يحتاجون لكثرة أجنتهم إلى الحراس؛ لأنه لا يقدر أحد منهم يعدو على أحد؛ لأن الرجل منهم إذا أنكر شيئا من حال جنانه نظر إلى الوطء في الرمل، ثم قفا ذلك إلى مسيرة يوم ويومين حتى يلحق من سرقه، وذكر بعضهم أنهم يعرفون أسر وطء الشاب من الشيخ، والأبيض من الأسود، والمرأة من الرجل، والعاتق من الثيب، فإن كان هذا حقا فهو من أعجب العجائب.

القديم والحديث · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٩٦