ففي مثل هذه الحالة يسارع مثلي إلى الهرب من وجه الظلم؛ إذ لا قانون هناك يأخذ للضعيف من القوي، وما القانون عندهم إلا هوى النفوس، ولا رواج إلا للزور والنفاق، ولا عجب، فقد قال ابن خلدون: إن الدول إذا تنزهت عن التعسف والميل والأفن والسفسفة، وسلكت النهج الأمم، ولم تجر عن قصد السبيل، نفق في سوقها الإبريز الخالص واللجين المصفى، وإن ذهبت مع الأغراض والحقود وماجت بسماسرة البغي والباطل، نفق البهرج والزائف.
ولذا أرسلنا ساقينا للريح، ساعة بلغنا أن الحكومة المحلية في سورية تريد القبض علينا على نحو ما قبضت على شقيقنا أحمد المدير المسئول لجريدة المقتبس، فسرنا (يوم 17 نيسان (أبريل) 1912) بدون ريث بين حدائق صالحية دمشق، حتى بلغنا الزاوية الغربية الشمالية منها في المكان المعروف بقبة السيار، ومنها قصدنا إلى دمر من طريق الجبل مشيا على القدم، ثم انصرفنا من دمر إلى المزة بالتصعيد في الجبل أيضا، وهناك اختبأنا في إحدى قرى وادي العجم أياما، حتى تهيأت لنا أسباب الهزيمة على حصان في صحابة صديق لنا قديم ، رافقنا من أقصى حدود وادي العجم، فمررنا من طريق معوج اجتزنا فيه أرض المزة وبلاس والأشرفية وصحنايا والدرخبية والطيبة وشقحب، ثم دير العدس والحارة من قرى إقليم الجيدور المعروف عند الإفرنج بإيتورة، حتى بلغنا النقرة من بلاد الجولان التي يسميها الفرنجة غولانيتيد، فرقدنا بالقرب من نهر الرقاد، وكنا هومنا في الليلة الفائتة على مقربة من نهر الأعوج المعروف في الكتب المقدسة باسم فرفر من عمل وادي العجم.
وفي الجولان اتصلنا بجماعة من تجار الإبل ذاهبين إلى مصر، فسايرناهم، وقطعنا سهول الجولان ومراعيه، وبتنا في الليلة الثالثة دون عقبة فيق، ومن الغد هبطنا العقبة وهي لا تقل عن ساعتين، وتعد من أعظم عقاب بلاد الشام، ومنها يشرف المرء على أراضي الغورغور بيسان وبحيرة طبرية ونهر الشريعة أي الأردن، وليس على هذا النهر العظيم سوى جسر قديم متداع وجسر بنات يعقوب، فقطعنا الأول سباحة على الدواب، ثم توقلنا الجبل إلى موقع الدلايكة، وهو واد بين جبلين منفرجين متآزيين من عمل طبرية عاصمة الأردن القديمة، بل عاصمة الجليل، أصبح أكثره ملكا للصهيونيين من مهاجرة الإسرائيليين الأوروبيين يستنبتونه ويستثمرونه على طريقتهم المتعارفة في ديار الغرب، حتى لقد تحس للحال بالفرق بين زراعة الوطنيين وزراعة المهاجرين، فقرية بما ملكهم أرقى بزراعتها مرات من قرية كفر سبت وسكان هذه من مهاجرة الجزائر، فبتنا تلك الليلة في سوق الخان بلد الصبيح على ساعتين من الناصرة وفي سفوح جبل الطور المشهور في التاريخ المسيحي.
وفي اليوم الرابع اجتزنا غابة غبياء من شجر البطم، فرأيناها آيلة للخراب كما تئول الآن غابات الشام كلها، اللهم إلا ما كان من غابات لبنان التي تزيد ولا تنقص، وقطعنا هذه الحراج في ساعة ونصف حتى بلغنا قرية دبورية، وفي منقطع أرض هذه الدسكرة يبتدئ مرج ابن عامر أو سهل يزرعيل المذكور غير ما مرة في التوراة، قطعناه بالعرض في أربع ساعات حتى بلغنا قرية اللجون، ومنها دخلنا في وادي عارة من عمل نابلس، وطوله ثلاث ساعات، وهو ضيق النطاق متوازي الأضلاع حصب الرباع ، وفي آخره كان آخر عهدنا بجبال الشام، إذ لم نعد نرى بعده جبلا يذكر حتى بلغنا أرض مصر في جهات العريش وقطية، فلمحنا عن بعد جبلا في الرمال يسمونه جبل الحلال، وبتنا الليلة الخامسة في عيون الأساور على ساعتين من قيسارية،
2
وهي قرية يسكنها مهاجرون من البوشناق، وكانت من المدن الكبرى العامرة في القديم، وفي اليوم السادس اجتزنا قرى بلاد نابلس مثل: قاقون، وقلنسوة، والطيرة، ومسكة حتى بلغنا نهر العوجاء على ساعة ونصف من يافا، وعنده حططنا رحالنا، وطريق هذا اليوم والذي قبله عامر بالحبوب، ويكثر الزيتون في بلاد نابلس إحدى أمهات مدن السامرة من كور فلسطين،