وكل هذه الإجادة في الشعراء وتخريج الرجال كانت منبعثة من وراء إعطاء سيف الدولة للمال بدون حساب، أجاد شعراء الشام؛ لأنهم رزقوا ملوكا وأمراء من آل حمدان وبني ورقاء، هم كما قال الثعالبي: بقية العرب المشغوفون بالأدب، والمشهورون بالمجد والكرم، والجمع بين آداب السيف والقلم، وما منهم إلا أديب جواد، يحب الشعر وينتقده، ويثيب على الجيد منه فيجزل ويفضل، وبنو ورقاء أبو محمد جعفر، وأبو أحمد عبد الله أبناء ورقاء الشيباني من رؤساء عرب الشام وقوادها، والمختصين بسيف الدولة، وكان جعفر من بيت أمرة وتقدم وآداب، وكان المقتدر يجريه مجرى بني حمدان، وتقلد عدة ولايات، وكان شاعرا كاتبا جيد البديهة والروية، وكان يأخذ القلم، ويكتب ما أراد من نثر ونظم، كأنه عن حفظه، وكان بينه وبين سيف الدولة مكاتبات بالشعر والنثر مشهورة.
وإن بابا يقف فيه أمثال أبي الطيب المتنبي، وأبي عبادة البحتري من الذين انتهت إليهم الرئاسة في هذه الصناعة، ومثل النامي، والببغاء، وكشاجم، والصنوبري، وابن خالويه، وابن جني، والبازيار، والصفيري، والناشئ، والبنص، والرقي، وابن نباتة، والفارابي، وابن كشكرايا، وعيسى الرقي، وغيرهم من العلماء والبلغاء والشعراء والندماء؛ إن بابا يقف فيه أمثال هؤلاء هو باب ولا شك عظيم، وفضل صاحبه على الآداب جسيم. •••
تجلت في عهد سيف الدولة في ديار الشام روح غريبة في الأدب العربي، وظهر بمظهر لم يسبق له عهد مثله، ولا جاء في القرون التالية شبه له ونظيرا لهم إلا إذا كان على عهد الأمويين، ولم تبلغنا أخبار شعرائه، وقد استفاد من هذه الحركة الأدبية القاصي والداني، كان أبو بكر الخورزي في ريعان عمره، قد دوخ بلاد الشام، وحصل من حضرة سيف الدولة بحلب في مجمع الرواة والشعراء، ومطرح الغرباء والفضلاء، فأقام ما أقام بها على أبي عبد الله بن خالويه، وأبي الحسن السميساطي، وغيرهما من أئمة الأدباء، وأبي الطيب المتنبي، وأبي العباس النامي وغيرهما من فحول الشعراء، بين علم يدرسه وأدب يقتبسه، ومحاسن ألفاظ يستفيدها، وشوارد أشعار يصيدها، وهو أحد أفراد الدهر وأمراء النظم والنثر، وكان يقول: ما فتق قلبي، وصقل ذهني، وأرهف حد لساني، وبلغ هذا المبلغ بي إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية التي علقت بحفظي، وامتزجت بأجزاء نفسي.
قام سيف الدولة بهذه النهضة الأدبية، وقد كاد القرن الثالث في الشام يخلو من الشعراء والأدباء؛ لأنهم قصدوا بغداد عاصمة الملك، وبقيت الشام بمعزل، ولم ينبغ في هذا العصر غير رجال في الحديث والمغازي والفقه، وضعف الأدب حتى أخذ ابن حمدان بيده وأيدي المشتغلين به، فكأن القرنين السالفين كانا كالمقدمة للكاتب الكبير الذي صدر في القرن الرابع، وشرحه نوابغ الأدب العربي أحسن شرح، وفيه قام أساطين الشعر وأبو تمام وأبو الطيب وأبو عبادة، وإليهم انتهت الزعامة في الإجادة.
بلادنا بلاد الشعر، والشعر كان مبدأ دخول العرب في الحضارة، لم يحرصوا على شيء حرصهم على روايته ودرايته، وأشد ما يكثر الشعراء في أرض صح إقليمها، واعتدل نسيمها، وطابت تربتها وأديمها، وصفت أمواهها وسنح نميرها، وكثرت ظلالها بأشجارها، وغردت أطيارها في أسحارها، وهذه الحالة على حصة موفورة في القطر الذي يتاخم جزيرة العرب من شمالها، فكان شعراء الشام وما يقاربها أشعر من شعراء العراق، وما يجاورها في الجاهلية والإسلام، والسبب في تبريزهم قديما وحديثا على من سواهم في الشعر قربهم - كما قالوا - من خطط العرب، ولا سيما أهل الحجاز، وبعدهم عن بلاد العجم، وسلامة ألسنتهم من الفساد العارض إلا لسنة أهل العراق بمجاورة الفرس والنبط ومداخلتهم إياهم.
وإذا أضيفت إلى هذه الأسباب الطبيعية أسباب أخرى من تنشيط ملك، وإعجاب أمة بعمل العالم، أو الشاعر والكاتب، تفتحت القرائح وتجلى نبوغ الأفراد في أجمل مظاهره، كما جرى في أيام سيف الدولة الذي يشبه من كثير من الوجوه لويس الرابع عشر ملك فرنسا، هذا مع اعتبار الفرق بين العصرين، فإن ابن القرن التاسع لا يتأتى أن يكون مثل ابن القرن التاسع عشر، وابن غربي آسيا لا يصح بحال من الأحوال أن يشبه ابن غربي أوروبا، ولكن الرجال قد يتشابهون على كل حال، ووجه الشبه ظاهر بين الملكين، ولا سيما فيما يتعلق بالمعارف والآداب، ولكن عمل لويس الرابع عشر اتصل بعده، وما زال في نمو وعلو، وعمل سيف الدولة زال - ويا للأسف - بزواله، وهذا أهم فرق بين هذا الشرق وذاك الغرب، هناك يتسلسل الفكر قرونا، وهنا ينقطع ويتحول، هناك تتناوله الجماعات بعد الأفراد فتحسنه وتزيد فيه، وهنا يدفن مع صاحبه، ولا يبقى غير تذكاره، فعاش الشرق بالفرد وعاش الغرب بالجماعة.