ومما ذكره المؤرخون أن سيف الدولة كان مرة في بغداد، فدخل على جماعة في مجلس أنسهم، فرفعوا منزلته بدون أن يعرفوه وشاركهم في طربهم، ولما تقوض المجلس طلب ورقة ودواة، وكتب رقعة وتركها وانصرف، فنظر أصحاب المجلس في رقعته، فإذا هي سفتجة بألف دينار يؤديها وكيله في دار السلام، فلما حملوا إليه خطه سألوه من عساه أن يكون الذي جاد بهذا المبلغ، فقال لهم: هو سيف الدولة بن حمدان. وكان كثيرا ما يفتقد رجال الدولة في بغداد، ويتعهد بعض علمائها وشعرائها، ولكن عطاياه للشعراء أجزل، فقد كان يعطي المعلم الثاني أبا النصر الفارابي أربعة دراهم في اليوم؛ أي القدر الذي يستطيع به فيلسوف الإسلام أن يعيش عيش الكفاف، على حين كان يعطي ابن عمه أبا فراس ضيعة تغل ألف دينار في السنة من قرى منبج جائزة عن بيت استجاده، وأبو فراس هو الذي قال فيه الصاحب ابن عباد: «بدئ الشعر بملك - أي بامرئ القيس - وختم بملك أي بأبي فراس.» •••
وبهذا رأيتم أن المال لا قيمة له في نظر سيف الدولة، فقد ذكروا - وهو مما يعاب عليه - أن الخليفة المتقي العباسي لما استولى البريدي على بغداد، استنجد ببني حمدان أمراء الموصل، فطلب سيف الدولة من الخليفة مالا لينفقه في الجيش؛ حتى يقويه ويمنع الأتراك من بغداد، فأعطاه الخليفة أربعمائة ألف دينار، ففرقها سيف الدولة في أصحابه، ثم هرب سيف الدولة ودخل «تورون» بغداد وملكها، ومنها أن أبا الحصين علي بن عبد الملك الرقي ولي قضاء حلب وكان ظالما، فإذا مات إنسان أخذ تركته لسيف الدولة، وقال: «كل من هلك فلسيف الدولة ما ملك»، ولما مات هذا القاضي رفسه سيف الدولة برجله فيما قيل، وقال له: قبحك الله كم كنت تزين لي الظلم، وذكر ابن حوقل في كلامه على بالس «مسكنة»: إن سيف الدولة بعد انصرافه عن لقائه صاحب مصر، وقد هلك جميع جنده أنفذ المعروف بأبي الحصين القاضي، فقبض من تجار كانوا بها معتقلين عن السفر، ولم يطلق لهم النفوذ، فأخرجهم عن أحمال وأطواف زيت إلى ما عدا ذلك من متاجر الشام في دفعتين بينهما شهور قلائل، وأيام يسيرة ألف ألف دينار، وقال ابن حوقل أيضا: «إن نصيبين لم تزل منذ من أول الإسلام تضمن بمائة ألف دينار إلى سنة 360، فأكب عليها بنو حمدان بصنوف من الجور وتجديد الكلف، إلى أن حمل ذلك بني حبيب، وهو بنو عم بني حمدان على أن خرجوا بذراريهم ومواشيهم، وثقلهم في اثني عشر ألف فارس إلى بلد الروم، فتنصروا بأجمعهم، وأوثقوا ملك الروم من أنفسهم بعد أن أحسن لهم النظر في إنزالهم على كرائم الضياع ونفائس المتاع، فعادوا إلى بلد الإسلام على بصيرة بمضاره، وعلم بأسباب فساده وقلوبهم تضطرم حقدا، فلحق بهم كثير من المخلفين عنهم، فشنوا الغارات على بلد الإسلام، وافتتحوا بعض الحصون وألحقوا أسوار بعضها في الأرض، وخربوا الضياع وتزايدت ثقة الروم بهم، إلى أن جعلوا لهم الأرزاق والأعطية، وصاروا خاصة الملك، وفتحوا له المضايق وأطعموه في أنطاكية، والمصيصة، وحلب، وطرسوس.»
هذا ما ذكره الجغرافي الرحالة ابن حوقل في أعمال سيف الدولة؛ على أنه قد وسم كتابه باسمه، وقد سكت بعض المؤرخين عن ذكرها بتاتا، وأشار إليها بعضهم بصورة مختصرة، قال ابن مسكويه: «كان سيف الدولة معجبا بنفسه يحب أن يستبد برأيه، كريما شجاعا، محبا للفخر والبذخ، مفرطا في السخاء والكرم، شديد الاحتمال لمناظريه والعجب بآرائه، سعيدا مظفرا في حروبه، جائرا على رعيته، اشتد بكاء الناس عليه ومنه.
ومن جملة بذخه أنه كان يقف على مائدته إذا أكل أربعة وعشرون طبيبا، وكان فيهم من يأخذ رزقين لأجل تعاطيه علمين، ومن يأخذ ثلاثة لتعاطيه ثلاثة علوم. ولقد قيل: إنه اجتمع لسيف الدولة بن حمدان ما لم يجتمع لغيره من الملوك، كان خطيبه ابن نباتة الفارقي، ومعلمه ابن خالويه، ومطربه الفارابي، وطباخه كشاجم وخزان كتبه الخالديان (وهما يشبهان الأخوين الإفرنسيين ليكونكور)، والصنوبري ومداحه المتنبي، والسلامي والوأواء الدمشقي، والببغاء، والنامي، وابن نباتة السعدي وغيرهم، بل إنه اجتمع ببابه ما لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء من شيوخ الشعر ونجوم الدهر، وكان أديبا شاعرا، محبا لجيد الشعر شديد الاهتزاز بما يمدح به. ولقد أورد صاحب اليتيمة من شعراء سيف الدولة، وممن كانوا يقصدونه من الآفاق؛ لينفقوا من أدبهم في سوقه ما هو بهجة النفوس مدى الأيام، وربما قل في الملوك من مدح بمثل ما مدح به سيف الدولة، حتى إن كلا من أبي محمد عبد الله بن محمد الفياض الكاتب، وأبي الحسن علي بن محمد السميساطي قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت.»