صلى الله عليه وسلم
والمتبعين للسنة لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا يزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. انتهى. قال الجبرتي بعد إيراد ما تقدم: أقول: إن كان كذلك فهذا ما ندين الله به نحن أيضا، وهو خلاصة لباب التوحيد، وما علينا من المارقين والمتعصبين، وقد بسط الكلام في ذلك ابن القيم في كتابة إغاثة اللهفان والحافظ المقريزي، في تجريد التوحيد والإمام اليوسي في شرح الكبرى، وشرح الحكيم لابن عباد، وكتاب جمع الفضائل وقمع الرذائل، وكتاب مصايد الشيطان وغير ذلك.
وجاء في تاريخ بغداد لعثمان بن سند البصري عند الكلام على الوهابية ما يأتي، فمن اعتقادهم تكفير عموم المسلمين الذين على الكرة الأرضية إلا من اعتقد اعتقادهم. وسموا أنفسهم بالسلف وبالمحمديين، ويبغضون ويلعنون جملة من علماء السنة مثل أبي الحسن الأشعري، ويقولون: إنهم هم الذين أسسوا قواعد الأدلة والبراهين في علم التوحيد، ومنه نشأت الفرق والخلاف بين الأمة المحمدية وإلا فقبله كانت الأدلة هي القرآن والحديث لا غير، وأيضا يكفرون الإمام ابن السبكي الشافعي، ولكن ما أعلم السبب في تكفيره دون سائر المصريين، ويا ليت شعري ما ذنبه معهم، وأظنه لكونه كان يغري الملوك بابن تيمية وجماعته الحنابلة، حتى حبسهم الناصر محمد بن قلاوون في الإسكندرية، كما هو مذكور في الدرر الكامنة لابن حجر.
قال: والحاصل أن الوهابيين آذوا الأحياء والأموات، ومن محاسن الوهابيين أنهم أماتوا البدع ومحوها، ومن محاسنهم أنهم أمنوا البلاد التي ملكوها، وصار كلما كان تحت حكمهم من هذه البراري والقفار سلكها الرجل وحده على حمار بلا خفر، خصوصا بين الحرمين الشريفين، ومنعوا غزو الأعراب بعضهم على بعض، وصار جميع العرب على اختلاف قبائلهم من حضرموت إلى الشام، كأنهم إخوان أولاد رجل واحد، وهذا بسبب قسوتهم في تأديب القاتل والسارق والناهب، إلى أن عدم هذا الشر في زمان ابن سعود، وانتقلت أخلاق العرب من التوحش إلى الإنسانية، وتجد في بعض الأراضي المخصبة هذا بيت عنزي، وبجنبه بيت عتبي وبقربه بيت حربي، وكلهم يرتعون كأنهم إخوان، وبهاتين الدسيستين خدعوا جميع العوام يعني بمحو البدعة وتأمين الطرقات والسبل، خصوصا بين الحرمين، وأحبهم سائر الأمم وغفلوا عن باقي عقائدهم، ورأيت لهم عقيدة منظومة يحفظها حتى رعاة غنمهم ومنها:
وما الدين إلا أن تقام شعائر
وتأمن سبل بيننا وشعاب
فكأنهم جعلوا تأمين الطرقات ركنا من أركان الدين، ويفهم عقلا من سياستهم، أنه إذا فقد القاتل والسارق والناهب فأي سبب يمنع عموم الناس من الاشتغال بالزراعة والتجارة، واقتناء المواشي في البادية المخصبة؛ للتكسب من ألبانها وأصوافها وجلودها، وإذا اشتغلوا بالكسب الحلال فلا يسرقون، ولا ينهبون، ولا يقتلون، فكأن المسألة شبيهة بالدورية؛ أي إنه متى وجد الأمان ارتفع السارق والقاتل لاشتغالهم بمعاشهم الحلال، ومتى اشتغلوا بالمعاش الحلال وجد الأمان، ولكن هذا الدور منفك الجهة.
ولولا ما في الوهابيين من هذه النزعة؛ أعني تكفير من عداهم لملكوا جميع بلاد الإسلام، وأدخلوهم تحت حكمهم بطوعهم واختيارهم، ولكن بسبب هذه النزغة أبغضتهم الأمم، وتسلطت عليهم الدول، وغزاهم أسد الديار المصرية إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، بأمر السلطان محمود سنة 1228، وملك بلادهم، ومحا آثارهم وأبادهم وأسكن عائلة المقرن - أي بيت الملك - وعائلة ابن عبد الوهاب الديار المصرية (وما رجعوا إلى بلادهم إلا بعد أن عاد الحجاز إلى الدولة العلية)، وهذه الفرقة المعبر عنها بالوهابيين هم أتباع محمد بن عبد الوهاب النجدي، ولكنهم في الحقيقة يسمون أهل الحديث؛ لأنه كان نظيرهم موجودا في زمن الدولة العباسية، وينكرون المناكير بالشدة والغلظة مثل الوهابيين، ويثورون على الخلفاء بسبب أن الجهاد في اعتقادهم ركن من أركان الدين، انظر تاريخ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة من سنة 300 هجرية، وكانوا يسمونهم الحنابلة، وأهل الحديث في ذلك الزمن، ويقولون: قام الحنابلة وثار الحنابلة، وكسر الحنابلة حانات الخمور، وأدبوا من شربها، وكان بينهم وبين العباسيين مقابلات وحروب، ثم ثارت منهم فرق بالمشرق وبجزيرة الأندلس ويسمون الظاهرية، وهم أيضا أهل الحديث، وكانوا ينكرون المناكير مع الغلظة، ويثورون على الملوك، وأكثرهم يموت بين قتيل وطريد، ثم إنه ظهر لهم فرق في دولة يوسف صلاح الدين، وكانوا يسمون أهل الحديث، ولهم ثورات وعداوات مع الملوك أيضا، وينكرون المنكر بغلظة وفظاظة، وتسلسلوا إلى زمن ابن تيمية الحراني، وتلاميذه ابن مقلح، وابن القيم، وابن عبد الهادي، ثم ظهرت هذه الفرقة التي عمت وطمت في القرن الثاني عشر ويسمون بالوهابيين، نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب النجدي، وإلا ففي الحقيقة أفعالهم وآثارهم هي أفعال الحنابلة الأقدمين، وهي أفعال أهل الحديث في القرون المتوسطة وأفعال الظاهرية، فالمعنى واحد إنما يسمون في كل عصر باسم على اصطلاح أهل ذلك العصر. ا.ه. •••