إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، وقوله:
إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ، وإلى قول النبي
صلى الله عليه وسلم
في خطبته في حجة الوداع: «أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتفاخرها بالآباء. ليس لعربي على عجمي فخر إلا بالتقوى، كلكم لآدم وآدم من تراب»، وقوله: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم»، وإنما المعنى في هذا أن الناس كلهم من المؤمنين سواء في طريق الأحكام والمنزلة عند الله - عز وجل - والدار الآخرة، لو كان الناس كلهم سواء في أمور الدنيا، ليس لأحد فضل إلا بأمر الآخرة، لم يكن في الدنيا شريف ولا مشروف، ولا فاضل ولا مفضول. فما معنى قوله
صلى الله عليه وسلم : «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه»، وقوله
صلى الله عليه وسلم : «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»، وقوله
صلى الله عليه وسلم
في قيس بن عاصم: «هذا سيد الوبر»، وكانت العرب تقول: «لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا»؟ نقول: لا يزالون بخير ما كان فيهم أشراف وأخيار، فإذا حملوا كلهم جملة واحدة هلكوا، أو إذا ذمت العرب قوما قالوا: سواسية كأسنان الحمار. وكيف يستوي الناس في فضائلهم، والرجل الواحد لا تستوي في نفسه أعضاؤه ولا تتكافأ مفاصله، ولكن لبعضها الفضل على بعض، وللرأس الفضل على جميع البدن بالعقل والحواس الخمس، وقالوا: القلب أمير الجسد، ومن الأعضاء خادم ومنها مخدومة.
قال: ومن أعظم ما ادعت الشعوبية فخرهم على العرب بآدم - عليه السلام - وبقول النبي - عليه الصلاة والسلام: «لا تفضلوني عليه؛ فإنما أنا حسنة من حسناته.» ثم فخرهم بالأنبياء أجمعين، وأنهم من العجم غير أربعة هود، وصالح، وإسماعيل، ومحمد - عليهم الصلاة والسلام - واحتجوا بقول الله - عز وجل:
إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ، ثم فخروا بإسحاق بن إبراهيم، وأنه لسارة، وأن إسماعيل لأمة تسمى هاجر، قال شاعرهم:
في بلدة لم يصل عكن بها طنبا
ولا خباء ولا عك وهمدان
ولا لجرم ولا نهد بها وطن
لكنها لبني الأحرار أوطان
أرض تبنى بها كسرى مساكنه
فما بها من بني اللخناء إنسان
فبنوا الأحرار عندهم العجم، وبنوا اللخناء عندهم العرب؛ لأنهم من ولد هاجر وهي أمة. وقد غلطوا في هذا التأويل، وليس كل أمة يقال لها اللخناء، إنما اللخناء من الإماء الممتهنة في رعي الإبل وسقيها وجمع الحطب، وإنما أخذ من اللخن وهو نتن الريح، يقال: لخن السقاء إذا تغير ريحه، فأما مثل هاجر التي طهرها الله من كل دنس، وارتضاها للخليل فراشا، وللطيبين إسماعيل ومحمد أما، وجعلهما سلالة، فهل يجوز لملحد فضلا عن مسلم أن يسميها اللخناء؟!
قال بعض من يرى رأي الشعوبية فيما يرد به على ابن قتيبة في تباين الناس وتفاضلهم، والسيد منهم والمسود: إننا نحن لا ننكر تباين الناس ولا تفاضلهم، ولا السيد منهم والمسود، والشريف والمشروف، ولكنا نزعم أن تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم ولا بأحسابهم، ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم، وشرف أنفسهم وبعد هممهم، ألا ترى أنه من كان دنيء الهمة ساقط المروءة لم يشرف، وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها، ومن أمية في أرومتها، ومن قيس في أشرف بطن منها، إنما الكريم من كرمت أفعاله، والشريف من شرفت همته، وهو معنى حديث النبي
صلى الله عليه وسلم : «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه»، وقوله في قيس بن عاصم: «هذا سيد أهل الوبر»، إنما قال فيه لسؤدده في قومه بالذب عن حريمهم وبذله رفده لهم، ألا ترى أن عامر بن الطفيل كان في أشرف بطن في قيس يقول:
وإني وإن كنت ابن سيد عامر
وفارسها المشهور في كل مركب
فما سودتني عامر عن وراثة
أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي