تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

إذا أبيتم إلا خلافه؛ وإنما نجيبكم إلى ذلك، لاتباع حديثه وما أمر به

صلى الله عليه وسلم ، فنرد عليكم حجتكم في المفاخرة ونقول: أخبرونا إن قالت لكم العجم: هل تعدون الفخر كله أن يكون ملكا أو نبوة، فإن زعمتم أنه ملك قالت لكم: وإن لنا ملوك الأرض كلها من الفراعنة والنماردة والعمالقة والأكاسرة والقياصرة، وهل ينبغي لأحد أن يكون له مثل ملك سليمان الذي سخرت له الإنس والجن والطير والريح، وإنما هو رجل منا، أم هل كان لأحد مثل ملك الإسكندر الذي ملك الأرض كلها وبلغ مطلع الشمس ومغربها، وبنى ردما من حديد ساوى به بين الصدفين، وسجن وراءه خلقا من الناس تربي على خلق الأرض كلها كثرة؛ لقول الله - عز وجل:

حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ، فليس شيء أدل على كثرة عددهم من هذا، أو ليس لأحد من ولد آدم مثل آثاره في الأرض، ولو لم يكن له إلا منارة الإسكندرية التي أسسها في قعر البحر، وجعل في رأسها مرآة يظهر البحر كله في زجاجتها. وكيف ومنا ملوك الهند الذين كتب أحدهم إلى عمر بن عبد العزيز: من ملك الأملاك الذي هو ابن ألف ملك، والذي تحته بنت ألف ملك، والذي في مربطه ألف فيل، والذي له نهران ينبتان العود والفوة والجوز والكافور، والذي يوجد ريحه على اثني عشر ميلا؛ إلى ملك العرب الذي لا يشرك بالله شيئا، أما بعد، فإني أردت أن تبعث إلي رجلا يعلمني الإسلام ويوقفني على حدوده والسلام.

وإن زعمتم أنه لا يكون الفخر إلا بنبوة، فإن منا الأنبياء والمرسلين قاطبة من لدن آدم ما خلا أربعة هودا، وصالحا، وإسماعيل، ومحمدا، ومنا المصطفون من العالمين: آدم ونوح، وهما العنصران اللذان تفرع منهما البشر، فنحن الأصل وأنتم الفرع، وإنما أنتم غصن من أغصاننا، فقولوا بعد هذا ما شئتم وادعوا.

ولم تزل للأمم كلها من الأعاجم في كل شق من الأرض ملوك تجمعها ومدائن تضمها، وأحكام تدين بها، وفلسفة تنتجها، وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات، مثل صنعة الديباج وهي أبدع صنعة، ولعب الشطرنج وهي أشرف لعبة، ورمانة القبان التي يوزن بها رطل واحد ومائة رطل، ومثل فلسفة الروم في ذات الخلق والقانون، والإسطرلاب الذي يعدل به النجوم، ودوران الأفلاك وعلم الكسوف. لم يكن للعرب ملك يجمع سوادها، ويضم قواصيها، ويقمع ظالمها، وينهى سفيهها، ولا كان لها قط نتيجة في صناعة، ولا أثر في فلسفة إلا ما كان من الشعر وقد شاركتها فيه العجم؛ وذلك أن للروم أشعارا عجيبة قائمة الوزن والعروض. فما الذي تفخر به العرب على العجم؛ فإنما هي كالذئاب العادية، والوحوش النافرة، يأكل بعضها بعضا، ويغير بعضها على بعض، فرجالها موثوقون في حلق الأسر، ونساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل ، فإذا أدركهن الصريخ استنقذن بالعشي، قال بجير، يعير العرب باختلافها في النسب واستلحاقها للأدعياء:

زعمتم بأن الهند أولاد خندف

وبينكم قربى وبين البرابر

وديلم من نسل ابن ضبة ناسل

وبرجان من أولاد عمرو بن عامر

فقد صار كل الناس أولاد واحد

وصاروا سواء في أصول العناصر

بنو الأصفر الأملاك أكرم منكم

وأولى بقربانا ملوك الأكاسر

أتطمع في صهري دعيا مجاهرا

ولم تر سترا عن دعي مجاهر

وتشتم لؤما رهطه وقبيله

وتمدح جهلا طاهرا وابن طاهر

وقال الحسن بن هانئ على مذهب الشعوبية:

وجاورت قوما ليس بيني وبينهم

أواصر إلا دعوة وبطون

إذا ما دعا باسمي العريف أجبته

إلى دعوة مما علي يهون

لأزد عمان بن الملهب نزوة

إذا افتخر الأقوام ثم تلين

وبكر يري أن النبوة أنزلت

على مسمع في البطن وهو جنين

وقالت تميم لا ترى أن واحدا

كأحنفنا حتى الممات يكون

فلا لمت قيسا بعدها في قتيبة

إذا افتخروا إن الحديث شجون

قال ابن قتيبة في كتاب تفضيل العرب: وأما أهل التسوية فإن منهم قوما أخذوا ظاهر بعض الكتاب والحديث، فقضوا به ولم يفتشوا عن معناه، فذهبوا إلى قوله عز وجل:

القديم والحديث · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٧