ذكروا أن العرب عنيت بالخطب في جاهليتها، أكثر من عنايتها بها في الإسلام، ولم يظهر لنا سر هذا؛ لأنا رأينا هدي النبيين والمرسلين على خلاف ذلك، رأينا الرسول - صلوات الله عليه - لم يتعلم الشعر وما ينبغي له، وكان سيد الخطباء بلا مراء، وكلامه خطب وحكم، وبسيرته الشريفة اقتدى كبار الصحابة، والتابعين، والخلفاء، والملوك والمرشدين، والعلماء العاملين، ولكن كثر الشعر أكثر من الخطب؛ لأن الشعر أقرب إلى تقييد المآثر والتأثير؛ ولأنه يحتمل من الخيال والمحال، ما لا يحتمله الخطاب بحال من الأحوال.
قال صاحب «الريحان والريعان»: إن ما تكلمت به العرب من أهل المدر والوبر من جيد المنثور ومزدوج الكلام، أكثر مما تكلمت به من الموزون، إلا أنه لم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره؛ لأن الخطيب إنما كان يخطب في المقام الذي يقوم فيه في مشافهته الملوك، أو الحالات، أو الإصلاح بين العشائر، أو خطبة النكاح، فإذا انقضى المقام حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه بخلاف الشعر، فإنه لا يضيع منه بيت واحد، قال: ولولا أن خطبة قس بن ساعدة كان سندها مما يتنافسه الأنام، وهو أن النبي
صلى الله عليه وسلم
هو الذي رواها عنه فأطار ذكرها؛ ما تميزت عما سواها.
قال القلقشندي: وليس ما أشار إليه لرفض النثر عندهم وقلة اعتناءهم به؛ لسهولة حفظ الشعر، وشيوعه في حاضرهم وباديهم، وخاصهم وعامهم بخلاف الخطابة، فإنه لم يتعاطها منهم إلا القليل النادر من الفصحاء المصاقع؛ فلذلك عز حفظها، وقل عنهم نقلها، وقد كانت تقوم بها في الجاهلية سادات العرب ورؤساؤهم ممن فاز بقدح الفضل، وسبق إلى ذرى المجد، ويخصون ذلك بالمواقف الكرام، والمشاهد العظام، والمجالس الكريمة، والمجامع الحفيلة، فيقوم الخطيب في قومه فيحمد الله ويثني عليه، ثم يذكر ما سنح له من مطابق قصده وموافق طلبه من وعظ يذكر، أو فخر، أو إصلاح أو نكاح، أو غير ذلك مما يقتضيه المقام.
نعم، إن الخطابة صناعة الرسل - عليهم السلام - لأنهم يدعون إلى الله، ويكلفون بإرشاد الخلق، وهذا يقتضي البلاغة والبيان المتناهي لذلك قال موسى: رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي؛ وذلك لأنه كان به لثغة فخشي أن يعدها قومه عيبا، ويلووا بوجوههم عن دعوته، أما شعيب - عليه السلام - فقد سماه نبينا - عليه الصلاة والسلام - خطيب الأنبياء؛ لما ورد في الكتاب العزيز من أسلوبه البديع في البيان، وتلطفه في إبلاغ دعوته إلى أهل مدين الذين غلبت عليهم الشقوة قال تعالى:
وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ، إلى أن قال:
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب * ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود .
ولشرف الخطابة وتأثيرها في تطهير النفوس أوجبها الشارع، وسنها للمسلمين في مساجدهم كل جمعة وعيد، وفي الحج؛ أي في عرفة، وأوجب على الحضور التزام الأدب مع الخطيب، بل علمهم حسن الإصغاء، وفي الحديث: إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت، ولم يعين الشارع للخطب الدينية أو خطب الجوامع والمواسم موضوعا خاصا بل جعلها مطلقة، يتناول الخطيب الكلام من المناسبات الزمنية، ويورد للحضور من هدي الشارع، ما يذهب به أرواحهم ويهيب بهم إلى بارئهم، ويغرس فيهم مكارم الأخلاق، ويطبعهم بطابع الفضائل، ويحذرهم البغي والظلم، ويستل بلطيف أسلوبه سخائمهم وأحقادهم، ويأمر بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويزين لهم العمل الصالح، ويربأ بهم عن مهلكات الشهوات. (3) البلاغة للعرب