ولو كان الخطباء على جانب من فهم أسرار الشريعة ومعرفة طرق البلاغة، وما يصلح الناس ما عالجوا من الموضوعات ما يرجع بالناس القهقرى، هذا في الخطب الدينية، أما الخطب المدنية فهي أيضا تتصرف على ذاك النحو نصفها تحميدات ومقدمات، واعتذارات وسخافات، واستطرادات منوعات، ولو محصت لما بقي منها إلا التافه اليسير من المعاني، أما تأثيراتها في الأفكار فضعيفة جدا، ولعل هذا النقص البين يتلافاه أساتذة المدارس الابتدائية والوسطى والعليا، بتمرين طلبتهم أبدا على الإلقاء، وممارسة الكلم الفحل يوم الحفل، وفي النوازل والأمور العامة، فينشأ من هذا الجيل فئات تسد هذا النقص المحسوس المشاهد في طبقة رؤساء الدين ورؤساء الدنيا، ويمرن الجميع على كتابة ما يريدون الخوض فيه، وعلى استظهاره أو إلقائه على نحو ما سارت الأمم الحديثة والأمم القديمة الراقية، فينبغ فيها خطباء ووعاظ، ومرشدون داووا جهالة شعوبهم بأساليب القول الجزل، والمنطق الخلاب والبرهان الساطع.
وها نحن نحط لطلاب هذا الفن الطريق الذي سلكته العرب في تقوية ملكة البيان، معتمدين في النقل على أئمة هذا الشأن، مشيرين إلى تاريخ الخطابة، والمجودين فيها من أهل هذا اللسان قبل الإسلام وبعده، تلقيحا للعقول وإهابة بها إلى ما يصلحها ويزكيها بالبلاغة فنقول: (1) حد الخطابة وأقسامها
نقل ابن رشد أن الخطابة صناعة تتكلف الإقناع الممكن في كل مقولة من المقولات، وغايتها إقناع الجمهور فيما يحق عليهم أن يصدقوا به من الأمور السياسية والوظائف الشرعية، وقال أبو البقاء: الخطابة هي الكلام النفسي الموجه به نحو الغير للإفهام. قالوا: وليس للخطابة موضوع خاص تبحث عنه بمعزل عن غيره؛ ولذلك كان على الخطيب أن يلم بكل صنف من المعارف، فوجب عليه لبلوغ هذه الأمنية أن يتبحر في العلم، ويتفنن في ضروب الفهم، حتى كان شيشرون خطيب الرومان يوجب على الخطيب معرفة الفنون الأدبية، والرياضيات، والرسم، والتصوير، والنقش، والموسيقى وغير ذلك.
ومعنى إقناع الجمهور إرضاء السامعين بالبرهان، بحيث تكون البلاغة ملكة في الخطيب، وهناك يقتضي له من العلم الواسع، ونفاذ البصيرة، وحضور الذهن، وقوة التأثير، وطلاقة اللسان، ولطف البيان، ما يستميل به الجمهور إليه في موضوع، ويصرف أذهانهم عن أمر، ويوجه أنظارهم إلى آخر ويحرضهم ويقنعهم؛ ولذلك أدخل الحكماء الخطابة الشعر في أقسام المنطق، كما نقل عن أرسطو؛ لأن المقصود منه أن يوصل إلى التصديق، وأصولها عندهم ثلاثة؛ الأول: إيجاد المعاني الحقيقية بالإقناع من الأدلة والآداب، والثاني: تنسيق المعاني؛ أي سرد أجزائها على نظام واحد؛ ليحكم تركيب الخطة وارتباط أقسامها، بحيث تكون أبين غرضا وأحسن في النفوس وقعا، والثالث: التغيير الذي يراعى فيه حال السامع؛ لتصاغ له المعاني في ألفاظ تتشر بها نفسه، وتمتزج بأجزاء فهمه. ويمكن إرجاع الخطابة إلى قسمين: الخطابة المدنية والخطابة الدينية، فالمدنية يتصرف تحتها كل ما فيه إصلاح المدينة، والخطابة الدينية كل ما يرجع إلى تطهير النفوس؛ ليكون لأهلها مدنية فاضلة في الدنيا وسعادة شاملة في الأخرى.
الخطابة نوع من منثور الكلام، يأخذ من النثر تصوير الحقائق وإبلاغها النفوس، من دون إتعاب ذهن، ولا تكلف في الأداء، ومن النظم سلاسته وتأثيره في النفس، وقد كانت العرب في جاهليتها تقدم الشاعر على الخطيب، بفرط حاجتها إلى الشعر الذي يقيد مآثرها ويفخم شأنها، ويهول على عدوها ومن غزاها، ويهيب من فرسانها، ويخوف من كثرة عددها، ويهابها شاعر غيرها، قال أبو عمرو بن العلاء: فلما كثر الشعراء واتخذوا الشعر مكسبة وتسرعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر، وكان لكل قبيلة شاعر، كما كان لكل واحدة خطيب، الخطب والوصايا متقاربة، يقصد بالأولى قوم لا على سبيل التعيين والتخصيص، فتكون في المشاهد، والمجامع، والأيام، والمواسم، والتفاخر، والتشاجر، وأمام العظماء والملوك والأمراء والوفود، وفي الصلح وإشهار الحرب، وفي الخطوب والنوازل، أما الوصايا فتكون لقوم بعينهم في زمن مخصوص على شيء منصوص، وربما كانت من شخص لأهل بيته، أو سيد لقبيلته عند حلول مرض أو أجل أو هجرة في الأرض. (2) الخطابة والأنبياء