وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم . وقال ابن الحاجب في شرح المفصل أيضا: والشعوبية بضم الشين، قوم متعصبون على العرب، مفضلون عليهم العجم، وإن كان الشعوب جيل العجم إلا أنه غلبت النسبة إليه لهذا القبيل، ويقال: إن منهم معمر بن المثنى، وله كتاب في مثالب العرب، وقد أنشد بعض الشعوبية للصاحب بن عباد يمدحه:
غنينا بالطبول عن الطلول
وعن عنس عذافرة ذمول
فلست بتارك إيوان كسرى
لتوضح أو لحومل فالدخول
وضب بالفلا ساع وذئب
بها يعوي وليث وسط غيل
إذا نحروا فذلك يوم عيد
وإن ذبحوا ففي عرس جليل
يسلون السيوف لرأس ضب
هراشا بالغداة وبالأصيل
بأية رتبة قدمتموها
على ذي الأصل والشرف الأصيل
أما لو لم يكن للفرس إلا
نجار الصاحب العدل الجليل
لكان لهم بذلك خير عز
وجيلهم بذلك خير جيل
فقال له الصاحب: قدك. ثم قال لبديع الزمان: أجبه، فأجابه مرتجلا:
أراك على شفا خطر مهول
بما أودعت رأسك من فضول
طلبت على مكارمنا دليلا
متى احتاج النهار إلى دليل
ألسنا الضاربين جزى عليكم
فإن الجزي أقعد بالذليل
متى قرع المنابر فارسي
متى عرف الأغر من الحجول
متى علقت وأنت بها زعيم
أكف الفرس أعراف الخيول
فخرت بملء ماضغتيك فخرا
على قحطان والبيت الأصيل
فخرت بأن مأكولا ولبسا
وذلك فخر ربات الحجول
تفاخرهن في خد أسيل
وضرع من مفارقة وسيل
فقال الصاحب للشعوبي: كيف ترى؟ فقال: لو سمعت ما صدقت. ثم قال له: جائزتك جوازك. إن وجدتك بعدها في مملكتي ضربت عنقك.
وفد النعمان بن المنذر على كسرى، فوجد عنده وفود الروم والهند والصين، فذكروا من ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب، وفضلهم على جميع الأمم لا يستثني فارسا ولا غيرهم، فقال كسرى وأخذته عزة الملك: يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، فرأيت الروم كذا، ووصف من حالهم وجعل يثني عليهم، ورأيت الهند التي لها كذا وكذا، ثم قال مثل ذلك في الترك والخزر والصين، متى ذكر قبيلة أثنى عليها ووصف ما يفتخرون به، ثم قال: ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير، وجعل يصف شأنهم وهو يحقرهم ويصغرهم، فقال النعمان: أصلح الله الملك، وجعل يثني عليه، ثم قال: ألا إن عندي جوابا في كل ما نطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب له، فإن أمنني من غضبه نطقت به. قال كسرى: فأنت آمن، فقال النعمان: أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل؛ لموضعها الذي هي به في عقولها وأحلامها، وبسطة محلها، وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها. قال كسرى: بماذا؟ قال النعمان: بعزها ومنعتها، وحسن وجوهها، ودينها وبأسها وسخائها، وحكمة ألسنها، وشدة عقولها وأنفتها ووفائها؛ فأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد، ووطدوا الملك وقادوا الجنود، لم يطمع فيهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيولهم، مهادهم الأرض، وسقفهم السماء، وجنتهم السيوف، وعدتهم الصبر، إذ غيرها من الأمم إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور.
وأما حسن وجوهها وألوانها، فقد تعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المتحرقة، والصين المحتتمة، والترك المشوهة، والروم المقشرة. وأما أحسابها وأنسابها، فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أولها وآخرها، حتى إن أحدهم يسأل عما وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبا أبا، حفظوا بذلك أحسابهم، وضبطوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير أبيه. وأما سخاؤها فإن أدناهم رجلا الذي يكون عنده البكرة أو الناب عليها بلاغه في حمولته وشبعه وريه، فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزئ بالشربة، فيعقرها له ويرضى أن يخرج له من دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الثناء.