وبعد، فإن كل عاقل عرف تاريخ هذه الأمة، يرى الخير كل الخير في احتفاظها بقديمها، وضم كل ما ينفع من هذا الجديد، على أن تكون للدين والعلم حريتهما، فتكون المعتقدات بمأمن من طعن الطاعنين بها، كما تجري المدنية على الشوط الذي يراه، وإذا رأى بعضهم في بعض المعتقدات ما لا ينطبق على روح الحضارة والعلوم العصرية، فالأولى أن يطبقوا العقل على النقل، كما هو رأي كبار علماء الإسلام منذ القديم، وإذا عجزت عقولهم عن ذلك فالأجدر بهم أن يأخذوا بعض القضايا بالتسليم، ويتركوا العالم حرا يسير وحده دون أن يعوقه عائق، وما نخال كل عاقل إلا ويعتقد أن صحيح النقل لا يخالف صريح العقل والله أعلم.
| الشعوبية1
يقوى تفاخر كل عنصر بعنصرهم، وأهل كل جنس بجنسهم، كلما كانوا أقرب إلى الهمجية والعصبية الجاهلية، جاء الإسلام فكان من أعظم إصلاحه، إسقاط دعوى الجنسيات، أو القضاء على التفاخر بالآباء والأجداد، فساوى بين العربي والفارسي والأحمر والأصفر والأبيض والأسود، وكانت قاعدته العامة ألا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
والظاهر أن دعوة الشعوبية؛ أي عدم الاستعداد بالعرب وتفضيل العجم عليهم، دخلت بدخول أجيال كثيرة من الفرس والترك والنبط في خدمة الدولة الإسلامية، فنشأت منها العداوات بين العرب أهل الدولة وبين العجم، كما كانت تنشأ في هذه البلاد بين تركي وعربي كلما اشتد الأول في إرهاق الثاني.
سألنا أستاذنا الشيخ طاهر الجزائري عن الشعوبية، فكتب إلينا ما يأتي: «أما الزمن الذي ظهرت فيه الشعوبية فلا يحضرني فيه شيء. والوقوف على أوائل الأشياء من أصعب المسائل وأدقها، إلا أن الذي ظهر لي أن ذلك حدث بعيد عصر الخلفاء الراشدين؛ لوجود الداعي إلى ذلك وهو التفاخر بالجنس، الذي هو من عادات الجاهلية التي أتى الدين بإبطالها، ومن نظر لمنزلة سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي في أوائل الأمة، زال عنه الشك في هذه المسألة، ولا يدخل في هذا الأمر بحث المؤرخ عن خصائص الأجناس، مما يقصد به الوقوف على الحقائق، فإن هذا نوع آخر، إلا أن من بحث عن أحوال الأمم ووفى النظر حقه، تبين له أن العرب في الجملة لا تساميهم أمة البتة.
وأظن أن لا بد أن تؤلف بعد حين كتب في خصائص الأمم، وكتب في خصائص البلاد، كما ألفت كتب في خصائص اللغات، وتجعل من الفنون التي يعنى بها، وتميز من غيرها، ولا تذكر بطريق العرض ، إلا أن فن خصائص الأمم تتيسر المشاغبة فيه والمغالطة أكثر من غيره، وكل فن وضعت مقدماته ونقحت مسائله يبدو بسرعة عوار المغالط فيه. هذا وكما حدث بعد عصر الخلفاء أمر المفاضلة بين العرب والعجم، حدث أمر المفاضلة بين العدنانية والقحطانية، وهما الفريقان اللذان يجمعهما اسم العرب، ونشأ بسبب ذلك من الفتن ما يعرفه المولع بالأخبار، ولم يزل أثر ذلك باقيا في بعض الجهات إلى ما قبيل عصرنا، وقد رأيت في بعض البلاد أناسا يقولون إلى الآن: نحن قيسية، وآخرين يقولون: نحن يمانية.»
هذا ما قاله أستاذنا، وفيه من كشف الغامض ما لم نظفر به في كتاب. والشعوبي بالضم محتقر أمر العرب، قال ابن منظور: وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم، حتى قيل لمحتقر أمر العرب شعوبي، أضافوا إلى الجمع لغلبته على الجيل الواحد، كقولهم أنصاري، وهم الشعوبية، وهم فرقة لا تفضل العرب على العجم، ولا ترى لهم فضلا على غيرهم. وأما الذي في حديث مسروق: أن رجلا من الشعوب أسلم، فكانت تؤخذ منه الجزية، فأمر عمر ألا تؤخذ منه، قال ابن الأثير: الشعوب ههنا العجم، ووجهه أن الشعب ما تشعب من قبائل العرب أو العجم، فخص بأحدهما، ويجوز أن يكون جمع الشعوبي؛ كقولهم اليهود والمجوس في جمع اليهودي والمجوسي.
قال شارح المفصل في شرح قول الزمخشري: «الله أحمد على أن جعلني من علماء العربية، وجبلني على الغضب للعرب وللعصبية، وأبى لي أن أنفرد عن صميم أنصارهم وأمتاز، وأنضوي إلى لفيف الشعوبية وأنحاز.» والشعوبية مصدر الشعوبي بضم الشين، وهو الذي يصغر شأن العرب، ولا يرى لهم على العجم فضلا، إذ الفضل بالتقوى وهو منسوب إلى قوله تعالى: