تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مصطفى كامل قال وكتب وخطب وجاهد وناضل ونافس وقاوم وتعب، وقد كافأته أمته على حسن صنيعه بأن بذلت نحوه عواطفها حيا وميتا، فذهب مأسوفا عليه مذكورا بالرحمة، وطوي بساطه بما عليه، ولكن أمته حية كبيرة كل يوم تلد ولاداتها، وكل يوم يدفن رجالاتها.

إن غاب مصطفى كامل فلا ينبغي أن تغيب عنا سيرته الذكية، وكيف وصل إلى المجد المؤثل والعز الأقعس، هو لم يؤت من المواهب ما لم يؤته أحد من العالمين، بل امتاز بامتياز واحد، ويا له من امتياز امتاز «بإرادة» تعمل، والإرادة هي رأس ماله، وهي في أفراد الشرق قليلة، ويا للأسف إرادة مصطفى كامل هي التي بلغت به ما بلغت، وهو فتى قبل الثلاثين، فما بالك لو كان بلغ السبعين والثمانين.

صحة الإرادة هي التي تنقص أبناء الشرق؛ ولذلك تراهم - وإن تعلموا وتهذبوا - يظلون وراء الغربيين في جهاد الحياة، وإن فاقوهم بعض الأحيان في الذكاء والنشاط، وكلما كانت الإرادة في صاحبها أقوى كان تأثيره أشد وعمله أسد.

يحزنني والله أن أرى كل يوم في مصر من الأفاضل المهذبين ما لم أحلم بوجود أمثالهم من قبل، ثم تراهم - وبعضهم ممن تهيأت لهم أسباب النعمة - خاملين خائفين ضعافا في الإرادة إلى حدائهم، إذا قاموا ببعض الواجبات يخشون أن تزول عنهم نعمتهم، ويحل بهم الويل والثبور.

لو كان المتعلمون منا يعلمون كل بما فيه من إرادة ما يجب عليهم عمله، لما أتى علينا ربع قرن إلا وقد نشأ لمصر عشرات من أمثال مصطفى كامل، منهم في السياسة، ومنهم في العلم، ومنهم في الأدب، ومنهم في المال، ومنهم في إصلاح الأخلاق، ومنهم في إصلاح البيوت، ومنهم في غير ذلك. وليس معنى هذا أن يكون في الأمة ألوف مثل مصطفى كامل في السياسة، فإن أفرادا فيها يكفون، ولكن يجب أن يكون عشرات في كل فرع من فروع المجتمع، فالعالم الذي يعلم الناس فيخرجهم من الظلمات إلى النور، والأديب الذي يرقق شعورهم، والكاتب الذي يؤثر فيهم، والكيماوي الذي يعلمهم صنع الأسمدة ومعالجة التربة، والزارع الذي يتوفر على البذر والغرس، والمهندس الذي يحفر الأقنية والترع ويتعهد السدود والجسور، والصانع الذي يحيك النسيج، ويصنع الصفيح والمصفح، كل هؤلاء ومئات من غيرهم ممن يتعاطون الحرف الضرورية في العمران ليسوا إذا كانت لهم إرادة كإرادة مصطفى كامل في الفرع الذي توفر على خدمة حياته إلا نافعين، يرتفع بهم الرأس كما يرتفع الآن رأس المصري الوطني بذكر مصطفى كامل.

حب الشهرة من العوامل القوية في قيام المجتمعات، فمن كان ولعه بالشهرة على أصوله تلحقه عن استحقاق ولا يلحقها، كانت شهرته نافعة له ولأمته، ولا يلام في حب الشهرة إلا من يغالي فيها ويجعلها ديدنه ودينه، كما لا يلام في حب الأثرة إلا المغالي فيها أيضا، والأثرة أو حب الذات موجودة في فطر البشر وإن اختلفت درجاتها، فصحة الإرادة هي التي نطلب أن تنتشر بين هذه الأمة انتشار العاطفة الوطنية، فإذا كثرت فينا ففيها ولا شك عن مصطفى كامل أكبر عزاء، وإذا لم تنم في أفرادنا فنقول ما يقوله بعضهم: إن مصطفى كامل كان فلتة من فلتات مصر، ولمصر في كل مدة رجل كبير تمتاز به يرتجل بين الرجال، وتنصره على أي حال، ويكون موضوع عجب الأجيال بعد الأجيال.

| النبوغ المصري1

يا سادتي ويا إخواني

منذ نحو مائة سنة والقطر المصري ينهض نحو الترقي، ويحتذي مثال الغرب في نهوضه، وكان من قبل لولا جامعة الأزهر الدينية أشبه بكثير من بلاد العرب في قلة العلم والنور، وبالأزهر المعمور لم ينفك المصريون على اختلاف أعصارهم وأدوارهم أن يكون فيهم من إذا سئل سدد في علوم الشريعة وما يلزمها من علوم اللسان.

ولقد خلد التاريخ اسم «محمد علي الكبير» جد الأسرة المالكة الحالية بما أسداه إلى مصر من الأيادي البيضاء، فأنعشها من سقطتها، وأيقظها من طويل رقدتها، ولو كتب له تحقيق جميع أمانيه الشريفة لكان العرب اليوم من أرقى الدول الكبرى في العالم، فإنه - رحمه الله - لم يترك بابا من أبواب النهوض المادي والعلمي إلا وطرقه على أجمل صورة، وعمل بجميع الأسباب لحياة مصر.

القديم والحديث · الصفحة ١٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٧٢