تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ملأت أوقاف صلاح الدين مصر والشام وهي غير منسوبة إليه، قال ابن خلكان: ولقد فكرت في نفسي من أمور هذا الرجل، وقلت: إنه سعيد في الدنيا والآخرة، فإنه فعل في هذه الدنيا هذه الأفعال المشهورة من الفتوحات الكثيرة وغيرها، ورتب هذه الأوقاف العظيمة، وليس فيها شيء منسوبا إليه في الظاهر. ا.ه. مات صلاح الدين ولم يخلف مالا عن 57 عاما، وخلف سبعة عشر ولدا ذكرا وابنة، ولم يخلف سوى دينار واحد بعد أن دخلت في يديه ثروة الفاطميين، وجبي إليه خراج البلاد المفتتحة، وحاز مغانم الصليبيين مرات.

تغيب السلطان صلاح الدين أربع سنين في فتح القدس وغيرها من بلاد الساحل وفلسطين، لم يدخل خلالها دمشق مع أنه «كان يحب البلد، ويؤثر فيه الإقامة على سائر البلاد»، فرأى أولاده الأفضل والظاهر والظافر وأولاده الصغار، وأقام في دمشق أياما يتصيد هو وأخوه الملك العادل أبو بكر بن أيوب وأولاده «ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الصبا، وكأنه وجد به راحة مما كان فيه من ملازمة التعب والنصب وسهر الليل ونصب النهار، وما كان ذلك إلا كالوداع لأولاده ومرابع نزهه»، وبينا هو على ذلك ونفسه تحدثه بزيارة مصر بعد طول الغيبة عنها ناداه مولاه فلباه فأبكى المقل وأدمى الحناجر.

مات - رحمه الله - والألسن تذكره بالمحمدة حتى قيام الساعة، فكان رجلا يعد بعشرات الملايين، وكم من ألوف لا يساوون واحدا وواحد يساوي ألوفا، مات وقد زلزل المسلمون لفقده، كما كتب القاضي الفاضل في ساعة موته إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب من بطاقة: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إن زلزلة الساعة شيء عظيم، كتبت لمولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاءه، وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف في الساعة المذكورة، وقد زلزل المسلمون زلزالا شديدا، وقد حفرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعا لا تلاقي بعده، وقد قبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة ضعيف القوة راضيا عن الله عز وجل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المغمدة ما لا يدفع البلاء ولا ملك يرد القضاء، وتدمع العين ويخشع القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا يوسف لمحزونون، وأما الوصايا مما يحتاج إليها، والآراء فقد شغلني المصاب عنها، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غير ذلك فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم، والسلام.

| مصطفى كامل1

في وفاة فقيد الوطن والصحافة التي اهتم لها أهل القطر عامة، وأبانوا في احتفالهم بتشييعه ومأتمه عن عواطف شريفة وشعور حي نام، أعظم درس يتدارسه المصريون، ولا سيما النابتة الجديدة منهم.

وصف الفقيد العزيز بما وصف به من الأوصاف التي هو جدير بها، وذرفت الدموع لهول المصاب به في إبان شبابه، وأكبرت الأمة أعماله وأقواله، وقامت بالواجب من إكرامه وإجلاله، كل هذا حق وكل هذا بزعماء النهضات وقادة الأفكار جدير، ولكن إذا صارت تلك الروح التي كانت بالأمس تهيج العواطف، وتلعب بالقلوب إلى جوار ربها، فالواجب علينا أن نبحث في السر الذي اهتدى إليه صاحبها الراحل، فأثر هذا الأثر المحمود في هذه الحقبة القصيرة من الزمن.

كثيرون مثله كانوا يدخلون المدارس ويتعلمون ويتهذبون، فتراهم وهم صغار في المدرسة نفوسا تتلهب غيرة، وقلوبا تتأوه على قرب أوقات العمل لتأتي بما يجب عليها نحو أمتها ومجتمعها ونفسها، فما هو إلا بضع سنين حتى تتبدل أفكارهم وينطبعون بطابع غير الذي كنت تعهده فيهم.

التاريخ - كما يقولون - يحكم لمصطفى كامل فيما أتاه من الخير لهذه البلاد، وإن كانت أعماله عند المنصفين أعظم شاهد حي على أن الرجل لم يكن مبرأ من العيوب، ولكن محاسنه تربو كثيرا على نقائضها، وهذا ما ننشده في رجالنا، ونتمنى لو يكثر الأفراد الذين على شاكلته من أكثر الوجوه في كل فرع من فروع العمل في هذا الجهاد العالمي.

القديم والحديث · الصفحة ١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٧١