وبعد، فإن سلسلة الارتقاء وسلسلة الانحطاط نمط واحد، يتبع بعضها بعضا في كل أمة، والتغالي في الألقاب من جملة تعلق الأمة، بل من يطلق عليهم الخاصة منها بالقشور دون اللباب، وما أجدر أرباب الصحف والمجلات أن يتخلوا عن هذه الألقاب التي لا ميزان لها ولا مقياس، وأن يذكروا الأسماء مجردة كما هو اصطلاح الأمم الراقية كالإنكليز والأميركان والفرنسيس والألمان، بل كما كان اصطلاح أجدادنا العرب صدر الإسلام، والجديرون بالوصف تنم أوصافهم عنهم من مثل التعليم زمنا، وتخريج طلبة راقين، أو الإجادة في التأليف، وغير ذلك من سمات الفضل والعلم، قال المقدسي: إن مراتب السادات مثل جليل وفاضل رسم الرسائل لا رسم التصانيف، والجرائد والمجلات كالكتب لا تخرج عن حد التأليف في صورة أخرى؛ ولذا وجب أن تعرى من ألفاظ التمجيد، ولا سيما إطلاق الألقاب العلمية على من تذكرهم؛ لأن في ذلك تضليلا للعقول واستهزاء بمقادير أهل الأقدار.
| التمييز في الألبسة1
ليس أغرب من هذا الشرق ترى فيه الاختلاف في الأفكار، كما تراه في الأديان، بل تراه في اختلاف الهواء والماء، وقد وفق الغرب إلى توحيد ألبسة أهله في القرون الأخيرة، أما الشرق فلم يزل بتخالفه في ذلك على نحو ما كان عليه في القرون الوسطى قرون الظلم والهمجية.
اختلاف المشارقة في ألبستهم قديم، فقد كان للقضاة وللأجناد وللعلماء والعامة ألبسة خاصة بهم، بل كان اللباس تابعا للأقاليم، فابن الحجاز يلبس ما لا يلبسه ابن الشام، وهكذا تجد لو طفت الأقاليم ودرست المدنيات.
وكان لأهل الذمة في الإسلام لباس خاص بهم، وهو من التحكمات السياسية التي دعا إليها العرف لا الدين، وليس في الدين ما يدل على تمييز المسلمين بلباس خاص، فقد اشترط الخليفة الثاني في كتاب الجزية الذي كتبه لأهل الذمة أن يؤخذوا بلبس الغيار وهو علامة لهم كالزنار ونحوه، ولما تبسط الفاتحون في مناحي السلطان كان من جملة واجبات المحتسب، كما في نهاية الرتبة في الحسبة أن يأخذ الذميين بلبسهم، فإن كان يهوديا عمل على كتفه خيطا أحمر أو أصفر، وإن كان نصرانيا عمل في وسطه زنارا أو علق في حلقه صليبا، وإن كانت امرأة لبست خفين، أحدهما أبيض والآخر أسود، وإذا عبر الذمي إلى الحمام ينبغي أن يكون في حلقه صليب، أو طوق من حديد أو نحاس أو رصاص ليختبر عن غيره.
وفي كتاب الخراج لأبي يوسف ألا يترك أحد منهم يتشبه بالمسلمين في لباسه ولا في مركبه ولا في هيئته، ويؤخذوا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنارات مثل الخيط الغليظ، يعقده في وسطه كل واحد منهم، وبأن تكون قلانسهم مضربة، قال: وإن عمر بن الخطاب أمر عماله أن يأخذوا أهل الذمة بهذا الزي؛ أي إن تكون قلانسهم طوالا مضربة، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامل له، فلا يلبس نصراني قباء ولا ثوب خز ولا عصب، وقد ذكر لي أن كثيرا من قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم وتركوا المناطق على أوساطهم، واتخذوا الجمام والوفر وتركوا التقصيص، ولعمري لئن كان يصنع ذلك فيما قبلك، إن ذلك بك لضعف وعجز ومصانعة.
وفيما اطلعنا عليه من الكتاب إشارات طفيفة لاختلاف أزياء الذميين في العصور الإسلامية، وما هذا الاختلاف في الحقيقة ناتج إلا من التحكم البارد غالبا، قال ابن الأثير في حوادث سنة 235: إن المتوكل أمر أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية، وشد الزنانير، وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كرتين في مؤخر السروج، وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفين لون الثوب، كل واحد منهما قدر أربع أصابع، ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزارا عسليا، ومنعهم من لبس المناطق، وأمرهم بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهي أن يستعان بهم في أعمال السلطان ولا يعلمهم مسلم، وأن يظهروا في شعانينهم صليبا، وأن يستعملوا في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب في ذلك إلى الآفاق.