تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جبال طوروس البديعة، لقد أعجزت الفاتحين عن اجتياز مضايقك، كما أعجزت الشعراء والمصورين عن رسم بدائعك وخصائصك، فما هذا الإبداع الذي عز نظيره في الأصقاع والبقاع، إيه يا منطقة البكم بالشعر، ومعجزة المتكلمين في ذكرى فضائلك وفواضلك.

إن جبال الألب التي استبت الألباب ببدائعها، وجبال الكاربات التي اشتهرت بصياصيها الطبيعية، وجبال حملايا المعروفة بسموها، هي دونك في جمع كل هذه المعاني، ولو هيئ لك ما تهيأ لتلك من يد صناع، تحسن حواشيك، وتهذب من أطرافك، وتتعهد أزهارك وأشجارك بآخر ما اهتدى إليه العقل البشري من ضروب الصناعة، لكنت لعمر الحق معهد اجتماع المصطافين والمرتبعين، ومسرح أنس طلاب اللذائذ الطبيعية والصناعية، وخزانة ثروة لأهلك ولا ينضب معينها، وتنضب مياه الرافدين دجلة والفرات، ولكنه تعالى لا يمنح بلدا كل ما يحتاجه، ولا يجمع في شخص كل الصفات والمزايا، فسبحان من قسم الخصائص بين البلاد، كما قسم الحظوظ بين الجماعات والأفراد.

| على قبر أبي الفدا في حماة1

حنانيك إسماعيل، أجبني، فدتك نفوس الملوك يا عالمهم وعادلهم وسيدهم، كنت في عصرك مثال العمل الصالح، وها أنت لمن بعدك عبرة لمن يعتبر.

زرت قبرك الشريف، وذكرت سيرتك المثلى، فبكيت على الإسلام والعرب، وقابلت بما قرأته على ضريحك بين السذاجة الغالبة عليك، وفخفخة الألقاب بعدك.

قرأت: «هذا ضريح العبد الفقير إلى رحمة ربه الكريم إسماعيل بن علي بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب عمر في شهور سنة سبع وعشرين وسبعمائة»، جملة لا يجوز نقشها اليوم على قبر أحد العامة، فأين أنت منها يا أبا الفدا في مفاخرك وسؤددك، ومجدك التالد والطارف.

حنانيك إسماعيل كنت في حياتك قدوة الملوك العادلين، تعلم الناس حب الخير، وتعلم العلماء فيما توفروا عليه، والفاتحين ما يفاخرون بمعرفته، والحكماء ما هو ثمالة أمجادهم، وها أنت الآن رهين حفرة، قد كاد ينسى بين قومك ذكرك فلا تبدي ولا تعيد، وقومك نسوا دينهم ودنياهم، فكيف لا ينسون رجالهم.

نشأت أيها السلطان العادل من بيت عز وملك، فلم تأخذ الزخارف بلبك، بل تخرجت في العلم، وربيت على أدب النفس وأدب الدرس، حتى جاء منك عالم، بل معلم للعلماء بسيرته وتفننه.

نشأت نشأة عالية في القرون الوسطى، وغيرك من الملوك نشئوا، ولا سيما بعدك نشأة جاهلية: على الخمر والزمر والقمر، لا يعرفون غير القصور، والولدان والحور، وغاية مفاخرهم أنهم يبطشون ولا يبالون، يقتلون ولا يتألمون، يتعاظمون ولا يتواضعون، يقضون فلا يراجعون، يأمرون ولا يعدلون.

أضحت أحكام بعض الملوك بعدك ذوقية، وأعمالهم على الأكثر استبدادية، اتخذوا الإسلام دينا وهو منهم بريء، وعبثوا بالرخص والعزائم، ليس لهم وازع من أنفسهم، ولا رادع من أممهم، أضحوا جبابرة لا ملوكا، وشياطين لا إنسا، وأنعاما لا يعرفون إلا ما فيه راحتهم، وتوفير قسطهم من اللذائذ والبذخ والنعيم.

كنت أبا الفدا ملكا بالاسم، وملكا بالفعل، كنت شريفا بماضيك وحاضرك، وها أنت إلى يوم الناس هذا وإلى غد وما بعد غد شريف في عامة أحوالك.

لم نعهد لك كما عهدنا للملوك قبلك وبعدك أن عددت الرعية كالسائمة التي تملك، فيتصرف مالكها بدرها ووبرها وجلدها ولحمها، ويعمل مطلقا في الاستمتاع بما لا ينازعه منازع، بل عهدناك تؤاسي الضعيف، ولا تجور على الفقير، وتحسن للعلماء، وتتفضل على الفقهاء والأدباء والشعراء، وتصرف فضل أوقاتك في التأليف والتصنيف، يا ثاني المأمون بعلمك وعقلك، وثاني صلاح الدين بعدلك وجهادك.

أبا الفدا، إن قومك أغفلوك وسيرتك، بل أهملوا ضريحك، ولو ذكروك لساروا ولو قليلا على سنتك المحمودة، فعلمت الملوك من بعدك بسيرتك الطاهرة، كما كنت في عصرك خير معلم للملوك العادلين والعلماء العاملين.

القديم والحديث · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٣٦