تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلما هبت الصبا والشمال على أرجاء شبه جزيرة كليبولي، وطلعت عليها الشمس وغربت، وأقمرت السماء وأظلمت وأمطرت وأثلجت، وأرعدت وأبرقت، يردد لسان الحال فيها هذه ثمرة التضامن بين أعضاء البيت الواحد، هنا قضى العربي والتركي والكردي واللازي وغيرهم لإعلاء كلمة الحق، واتقاء عادية الدخيل الثقيل، هنا نظم العثمانيون أرقى جيش انتظم لهم منذ عهد الفاتح وسليم وسليمان وتشبع أهله بروح الوطنية، وغنم غزاتهم أحياء وأمواتا سعادة الدارين.

أرض شبه جزيرة كليبولي، ستبقين مقدسة في نظر كل مسلم كما قدس الله الأرض المقدسة، وستذكرك الأجيال عقيب الأجيال والدهور أثر الدهور بالإعظام والاحترام، كما تذكر هذه الحرب العامة بالهول والاستغراب، أنت كذبت البشر في ادعائهم أن «كل محصور مأخوذ»، وأكدت لهم عكس القضية في أن «كل محصور محفوظ»، فسلام عليك محاربة ومسالمة، وألف ألف رحمة ورضى على عظام شهداء ضمتها تربتك الطيبة، ومروجك السندسية وتلعاتك الزمردية.

| جبال طوروس

هذا مضيق يسمونه اليوم «كولك بوغازي»، ومعناه مضيق الكيلة كيلة الحبوب، كانت العرب تسميه الدرب أو الدروب، ذكره امرؤ القيس ملك الشعر في الجاهلية في شعره لما توجه إلى قيصر الروم، وكان مشى معه صاحب يقال له عمرو بن قميئة الشاعر، فلما رأى عمرو الدرب وهو الحاجز بين بلاد العرب وبلاد العجم بكى جزعا لفراقه بلاد العرب ودخوله بلاد العجم، ففي ذلك قال امرؤ القيس:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه

وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

فقلت له: لا تبك عينك إنما

نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

أما نحن فابتهجت أنفسنا وايم الله، واطمأنت لما اجتزنا الدرب، وعلمنا أننا نركب بعده القطار، ولم يبق لنا إلا ساعات معدودة لنبلغ دار السلطنة، بهجة الدنيا، وقرارة الدعة، ومدينة المنعة، ومهد الظرف واللطف، وبلد الشعر والخيال، إن الدرب أو مضيق «كولك بوغازي» واد تتخلله الأنهار والجداول، ويكسو شجر الأرز نجاده ووهاده، على صورة تظنها من هندسة أعظم مهندسي الزراعة لعهدنا، وما وهو في الحقيقة إلا مما نبت واستطال بنفسه، أنت لا تنفك منذ تطأ عتبة جبال طوروس، تشم أريج شجرها ورندها وعرارها، ولا تسأم من مناظرها؛ لأنها منوعة في تقاطيعها وجمال هندستها، بحيث لا تمل العين النظر ، ولا الأنف الشم ولا الأذن السماع؛ لحفيف أشجاره، وتمايل أغصانه، وثغاء حملانه، وخرير مياهه، وأصوات عندليبه وهزاره.

إن من يسمع من بعد وصف «كولك بوغازي» يقول في نفسه: ماذا عسى يكون في هذا المضيق؟ وجبال الدنيا كثيرة متشابهة، صخور وتلعات، وأكمات وبطون ومنفرجات، وشيح وقيصوم، وسنديان وزان، ولكن جبلنا هذا لا يشبه الأجبل بحال؛ لأن مدير الأكوان خلقه على غير مثال من الجبال، ولون صخوره، وأحسن قطعها، فمنها الكبير الهائل، ومنها الصغير الحقير، وتربته حمراء وسوداء وبيضاء، ترى تارة في الهضاب طريقا معبدة من الصم الصلاب، أو مرصوفة بالتربة الذكية، غرست فيها يد القدرة أشجار الأرز غرسا يتخلل الهواء بيننا، ولا تنبو العين عنها لعدم نظامها، واختلال هندستها، وترامي أبعادها، وهناك الأشكال الهندسية برمتها: فمن تلعة مستطيلة إلى أخرى هرمية، وبجانبها ذروة ذات شكل بيضوي، وآخر محدوب أو مربع أو قائم الزوايا ومنفرجها، جعل بعضها إلى جانب بعض، ومساحتها السطحية متقاربة، وكلها مزينة بالأشجار، أنت هنا تجتاز واديا ولا كالأودية، بحيث تعطي الحق لمن قال في القدم: «ماء ولا كصداء» و«مرعى ولا كالسعدان» و«فتى ولا كمالك»، ولو رأى القائل الدرب لقال: مضيق ولا كهذا وجبال ولا كطوروس.

هذه العظمة في الخلق التي تراها ماثلة على أتمها في جبال طوروس التي أعجزت الفاتحين من الأقدمين والمحدثين، فكانت كالحاجز الطبيعي الذي لا يرام بين الثغور وبين بلاد الروم، عامرة بطبيعتها، هندسها الفاطر، وحفها بأنواع البهجة والزينة، بحيث لا تملها نفس مهما اكتأبت، وتود لو تقضي فيها شطرا من العمر، بعيدة عن ضجة العالم وأوهام الخلق، وترهات المتمدنين والمتبربرين.

القديم والحديث · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٣٥