تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسلمون العثمانيون أو السوريون في مصر أفراد قلائل بالنسبة لسائر العناصر؛ ولذلك لم ير اللورد كرومر في كتابه «مصر الحديثة» أن يخصهم بكلمة لقلة سوادهم، وبعبارة أخرى إن أكثرهم من التجار أو من السوقة لا يدخلون في مسائل البلاد العمومية، ولا يتأتى للاحتلال أن يعتمد عليهم؛ لأن الدين يمنعهم من خدمة أفكاره، وهم يرون المصريين إخوانهم في الدين والتابعية واللغة والجوار، وهل أعظم من ذلك رابطة؟!

وما راعني أمس إلا كتاب من أحد المسلمين السوريين من تجار هذه العاصمة، يقول لي: إنه ساع مع بعض أصحابه في تأسيس جمعية خيرية إسلامية سورية بالقطر المصري، تساعد الفقراء السوريين المسلمين ممن لا ناصر لهم ولا ملجأ، يلجئون إليه عند الشدائد؛ وذلك لأن إلقاء حبلهم على غاربهم مما يشين سمعتنا الأدبية بين الخاص والعام، ولا فرق في ذلك بين الدمشقي والحلبي والبيروتي والطرابلسي وغيرهم؛ لأنهم كلهم أبناء طائفة واحدة، وتظلهم راية واحدة، ويدور محور أعمال هذه الجمعية على مواساة الفقراء، وتربية الأيتام على الطرق الحديثة، وإدرار الأرزاق على الأرامل والمرضى، وتجهيز الموتى، وتسفير الفقراء، وتتولى الجمعية غير ذلك من أعمال الخير، وستكون قيمة الاشتراك في الشهر عشرة قروش صحيحة، وإذا تبرع بعض الأغنياء بأكثر من ذلك فيكون لهم الفضل ... إلخ.

هذه خلاصة الكتاب، وفيه من الحث على مساعدة الجمعية ما هو طبيعي، ولكن حسن ظن القوم بي لا يمنعني من النصح لهم، بأن يجعلوها جمعية خيرية مطلقا بدون وضع اسم «السوري» عليها، وأرجو ألا يحمل ذلك على ضعف في الوطنية، بل أن يتدبر القائمون بالأمر فيما أقول.

المسلم السوري هنا لا يعتبر كما يعتبر غيره خصوصا، وهو - كما قلنا - لم يدخل في معترك السياسة المصرية؛ ولذلك ينظر إليه المصري بأنه أخوه ووطنيه يعامله كما يعامل ابن النيل، ويبوح إليه ببثه وحزنه ويصاهره ويعاشره ويرتبط به؛ ولذلك تدعو الحكمة أن يقوم السوري هنا - إن كان لا يرى مندوحة له عن أن يسمي نفسه بهذا الاسم - في جميع أعماله تبعا لأخيه المصري.

ليعمل السوري الخير، ولكن لا على أنه سوري، بل على أنه مسلم أو مصري؛ لأن الأدب يقضي عليه أن يندمج في جسم أخيه المصري لينتفع كلاهما بصاحبه، وما جزاء من يحب إلا أن يحب، ومن أدب الغريب ألا يجهر بأن مصلحته تخالف مصلحة من ينزل عليه.

المسلمون من أهل البلاد المجاورة لمصر ما زالوا منذ القديم يهبطون هذا القطر كسائر الأمم، ولكنهم يندمجون في سلك أهله، ولا يلبثون أن تكون لهم نفس حقوقهم؛ وذلك لما وقر في النفوس من انتفاء الجنسية في الإسلام؛ ولأن من مصلحة النزيل أن يكون تبعا للزميل لا يقاومه في رغباته، بل يخدم الغرض الذي يرمي إليه ما دام الغرض لا يتعدى طور العقل، فيجد النزيل من ابن البلاد كرم الوفادة بما لا يعذر به ابن البلاد نفسها، والغريب بالنظر لنشاطه إذا لزم الأدب مع من ينزل عليه يربح أكثر من حرصه على الأسماء.

وما سورية ومصر إلا بلدان متجاوران، والسوري الذي ينفع مصر مصري والمصري الذي ينفع سورية سوري، والحمد لله أن خلقنا في زمان سقطت معه دولة التحزب للجنسيات، فلم يعد الناس كما كانوا في الأزمان السالفة يعادي بعضهم بعضا في القطر الواحد، بل في البلد الواحد، بل في الحارة الواحدة على أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، اللهم إلا عدم المعرفة بطبيعة الكون، وطبيعة تنقل الناس في هذه الأرض منذ القديم.

الحمد لله أن جئنا في زمن نسمع فيه أن البشر يفكرون في اختيار لغة واحدة تجمعهم ليتعارفوا بها، وأن يزيلوا الحدود من تخوم الممالك؛ حتى لا يكون بين أمة وأمة ما يصدهما عن الاختلاط وجلب المنافع ودرء المضار.

وإن كل عاقل ليوقن بأن النغمة التي ضرب على وترها بعض السوريين في هذا القطر على عهد انتشار حرية الأقلام لم تكن إلا من باب «خالف تعرف»، أراد بها أربابها التذرع إلى نيل الشهرة أو أغراضا مادية أخرى، ولذلك أخشى أن تكون تلك النغمة التي سكنت نأمتها الآن هي التي بقيت بقاياها في أذهان بعض المسلمين من السوريين، فقاموا اليوم يريدون أن يخرجوا عن الجماعة، ويؤسسوا لأنفسهم جمعية تضم شتاتهم، ولو فعلوا لكان شرها أكثر من خيرها، وعلى الله قصد السبيل.

القديم والحديث · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٣٢