ولعمري، هل يصح أن تجعل أمثال هذه القصص حجة في أفضلية دمشق على غيرها من أمهات المدن حيث المعيشة غالية، وهل هذا الرخص مما ينبغي أن يفاخر به، وأهل الاقتصاد في عصرنا يجعلونه إذا استحكم من بلد شؤما عليه، ويعدون البلد كل البلد الذي غلت فيه أسعار الحاجيات والكماليات، وارتفعت الأجور والارتفاقات على نسبتها، والأمثلة على ذلك كثيرة، فإنه يبلغنا لهذا العهد عن بلاد الأناضول وهبوط أسعار المأكولات فيها لقلة ما يصدر عنها، ما لا يكاد يصدق لولا تواتره على ألسن الطارئين على ذاك الصقع، فهل تفضل السكنى فيه على الروم أيلى المرتفعة أسعار الأرزاق فيه، وبعد، فإن كان لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، فلا فضل لبلد على آخر إلا بالعلم والعمل والسعادة الحقيقة.
| النزلاء المسلمون1
قضى الله على هذا القطر أن يكون منذ القديم مهاجرا لأمم الأرض، ولا سيما من الأولى قيض لهم الحكم عليه من روم وفرس وترك وجركس وكرد، أو كانوا مجاورين له من شماله وجنوبه وشرقه وغربه، فيأتيه بعضهم متاجرا، وآخر موظفا، وفريق غازيا وغيره مسالما، وتربة مصر الجيدة تبتلع من تبتلع من تلك العناصر وتحيلهم بوتقة النيل مصريين، ومنهم من يعود من حيث أتى بعد أن يقضي في ربوعها زمنا، وقد استفادوا منها ماديا أو معنويا.
وكان بعض تلك الأجناس إذا نزلوا العاصمة وقواعد المدن في القطر يجتمعون في بقعة واحدة، ويؤلفون جماعة أو حزبا، ويتخذون لهم حارات خاصة بهم يسكنونها، ومحال تجمعهم وعادات يحرصون على الاحتفاظ بها والجنسية علة الضم، أو كما قال امرؤ القيس:
وكل غريب للغريب نسيب
أما إذا نزلوا الأرياف فقلما كنت ترى لهم كلمة، فيبقون في غمار السكان في الغالب ويمتزجون بأهلها، فيجعل ذلك لهم فقد لغاتهم أن يكونوا لا يتكلمون العربية، أو فقد جنسياتهم إن كانوا عربا، وما هي إلا بضع سنين حتى يصبحوا مصريين صرفا.
والغالب أن كل فاتح يستعين بالغرباء على قيام أمره، ويعتمد في الأكثر على أناس من بني جنسه، هكذا فعل الرومي والفارسي قبل الإسلام، وهكذا فعل التركي والجركسي والكردي والأرناؤدي بعده، وإن كان الإسلام قد منع من القول بالجنسية والعصبية، ولكن الدول تراعي في هذا الشأن حالة الزمان والمكان، ثم إن الغالب يرى من الواجب عليه أن يقرب إليه الأقرب والأقرب، والأقربون أولى بالمعروف.
هذا إجمال من تاريخ نزول الذين هبطوا مصر في الأدوار السالفة، وإنا لنرى منه اليوم مثالا مجسما من المحتلين وتوسيدهم الوظائف الكبرى الرابحة إلى أبناء جلدتهم، فإذا لم يجدوا منهم من يرتضونه، يختارون أن يوسدوها إن أمكن لرجل أوروبي بدل المصري أو العثماني، كما يختارون توسيدها للمسيحي أو غيره من غير أهل الإسلام.
بمثل هذه الحال السياسية يحدث الخلف بين الوطني والنزيل، ويلتف كل فريق على فريقه، والحكام من وراء ذلك يسرون بهذه الفرقة بين الأجناس والعناصر، ما دامت القاعدة التي سارت عليها الحكومات هي «فرق تسد»؛ ولذلك كان يزداد هذا التنافر بين الدخيل والأصيل، كلما نفخ الحاكم في ضرامه، ويخمد كلما انقطعت عنه مادة التفريق، وهذا ما دعا إلى أن تكون لكل عنصر من النزلاء جمعياتهم الخاصة بهم ومدارسهم وكنائسهم وحاراتهم ومحالهم وأنديتهم.
لا يكاد يمضي شهر إلا ويجيئني كتاب من جماعة، يطلبون إلي أن أشاركهم في جمعية سورية، يريدون تأسيسها لغرض اجتماعي أو أدبي أو خيري، وأن أساعدهم مساعدة أدبية بالقلم إن لم تتيسر لي مساعدتهم بالدينار والدرهم فأعتذر إليهم، فمنهم من يقبل العذر، ومنهم من لا يقنعه قولي ويحمله على ما يقع في نفسه من الظنون، ومعظم هؤلاء الداعين جماعة من المسيحيين يريدون أن يكثروا بالمسلمين سوادهم، ويستعينوا بهم على غرض يرون فائدته لأبناء بلادهم.