خسرت البلاد من وجهين في الجملة وربحت من وجهين، خسرت البلاد من عمل هؤلاء الشبان المتغيبين سنين عن أوطانهم، وعن تعطلهم عن التناسل، وربحت مما حملوه إلى الشام من النقود والتهذيب الغربي، ولكن الخسارة أعظم بدليل أن الثروة هي العمل لا النقود كما يقول علماء الاقتصاد، وأن التهذيب الذي حملوه ناقص؛ لأنه علمهم أمورا رفعت من شممهم، فلم يعد يستطيع المهاجر أن يقيم في قريته إذا آب إليها بعد تغيبه عنها بضع سنين؛ إذ يرى الفرق محسوسا بين ما شاهد في بلاد غيره وعهد في بلاده، ويتأفف من عمله الصغير في الزراعة أو الصناعات الضعيفة ، فلا يلبث أن يعود أدراجه إلى أميركا، ويختار الموت هناك على البقاء في أرض ذلة وقلة.
ولذا لا تعجب إذا رأيت مئات من الدور الفخمة التي عمرت بدراهم أميركا في هذه الديار خالية من سكانها، يلعب فيها الجرذ والفار ولا من يقطنها؛ لأن بناتها عادوا فرحلوا إما طلبا لثروة غير التي نالوها وصرفوها كلها في إنشاء دورهم، وإما لضيق صدر نالهم من سوء إدارة وفساد نظام، وهذا قليل.
قال قنصل فرنسا في تقريره الأخير على بلاد الجليل: إن هؤلاء المهاجرين ينفعون بالأجور التي يؤدونها لشركات الملاحة، ولكنهم يضرون البلاد في ارتقائها الاقتصادي إذ يحرمونها من الأيدي العاملة، وقد نجحوا بأن أسسوا في البلاد التي هاجروا إليها (أميركا الشمالية والجنوبية وأوستراليا وأفريقيا الجنوبية أو مصر) مستعمرات مهمة للغاية، وكثير ممن غادروا بلادهم حفاة لا يملكون أجرة المركب الذي يقلهم وهم في الدرجة الرابعة، قد عادوا إليها يحملون الدنانير في جيوبهم أو الأوراق المالية، وقد اقتبسوا الأذواق والعادات الغربية وأنشئوا يستخدمونها في بيوتهم، وهم يبتاعون الأراضي وينشئون الزراعات الكبرى، وأكثر العائدين منهم على ما أظن هم اللبنانيون والبقاعيون.
قال: وأما سبب الهجرة فلارتفاع وصاية الحكومة عليهم، ولعدم قوانين لحماية الزراعة، ولندرة معاهد المعاونة والإحسان، ولإرهاق العشارين والمرابين، ولكسل لا ينفض غباره إلا بالإقلاع عن البلاد وحبا بالأرباح السهلة، واقتداء بمواطنيهم المغتنين ولجذب البلاد الجديدة لهم، وبينا نرى الوطنيين - ولا سيما من سورية - يهاجرون، نرى الأجانب يهاجرون إليها ولا سيما في فلسطين (أي الصهيونيين). ا.ه.
وبعد، فقد كانت الهجرة مقصورة بادئ بداء على المسيحيين، فأخذ إخوانهم المسلمون يقتفون آثارهم، وكثر المهاجرون من جميع الطوائف في السنين الأربع الأخيرة عندما طبقت الحكومة قانون الجندية على عامة شبان هذا الوطن، فكان الوالد يسفر ولده في العشرين والخامسة والعشرين، فأنشأ يرحله اليوم في الخامسة عشرة، بل وفي الثانية عشرة لينجو من الخدمة العسكرية، أو ليجمع بدله النقدي قبل أن تصيبه القرعة، وبعد أن تفاقم شر الهجرة في العهد الأخير، أرادت الحكومة أن تمنع الشبان من السفر، فكان ذلك مورد عيش جديد لارتشاء بعض الولاة والمتصرفين والقائم مقامين ورجال الشرطة، وكثرت سماسرة المهاجرة حتى لم يتركوا مزرعة إلا ولجوها وأخرجوا منها أعزة أهلها، وسهلوا لهم سبل الهجرة، ووجد حتى الفقير المعدم من يقرضه على أن يوفيه من عمله في ديار المهجر، وزادت المنافسة بين شركات الملاحة، فأصبح السفر ميسورا من بيروت إلى نيويورك بعشر ليرات، وزاد الصادر وقل الوارد، وكلما أمل المؤملون أن تهدأ أحوال البلاد، تعقدت مشاكلها الداخلية والخارجية، وانتشرت عن البلاد أخبار السوء، فتأخر عن العودة إليها أبناؤها الذين هجروها.
هذا، والحكومة لم تتذرع بأدنى سبب لنزع هذا الخلل في حياة البلاد من أصوله، بل إن النوائب الأخيرة التي صادف وقوعها في عهد الدستور لم تزد البلاد إلا فقرا، إذ اضطرت الحكومة أن تزيد الضرائب والعشور والرسوم، فضعفت الزراعة، وأكثر من ثلاثة أرباع هذه الأمة تعيش من أرضها، وارتقت أجرة العامل إلى أعلى من منسوبها، فأصبح في بعض الأصقاع الزراعية من المتعذر القيام بأعمال الزراعة على ما ينبغي لصاحب ملك ومزرعة؛ لأنه إذا أعطى العامل في اليوم ثلاثة أرباع الريال أو الريال لا يبقى له في آخر السنة ما يوازي نصف إيجار أرضه، ولولا أن بعض البلاد التي أعوزتها اليد العاملة مثل البقاع، استعاضت عنها بما جلبته من الآلات الزراعية الحديثة كالحصادة والدراسة والحراثة والذراية والطحانة لأمست زراعتها بائرة، ولو جرى أهل هذا القطر على سنة أهل أطنة (أذنة) في قليقية من آسيا الصغرى، وأكثروا من الأدوات الحديثة لتم لهم الغنى، وعوضوا ما فاتهم من عمل العاملين، ولعاد جديبها خصيبا ونالوا من أسباب الثروة حظا عجيبا.