وقد نفى سكريتان أن تكون قلة السكان ناشئة من فساد الآداب، وقال: إن الروس بإقرارهم أنفسهم من أعظم الموغلين في المفاسد والموبقات، ومع هذا يزيد سكان الأرياف عندهم، والسبب في قلة المواليد هو في الحقيقة إرادة الرفاهية، الولادة لا تشكو من الفقر ولا من حرية الفكر ولا من حرية الأخلاق، وما خرابها آت إلا من كثرة الحذر الذي هو ابن الطمع. •••
عرف السوري منذ القديم بحب الهجرة للكسب وإحراز المجد، والفينيقيون أو سكان الساحل الأوسط من هذا القطر كانوا رواد الحضارة وربابنة البحار في سواحل البحر المتوسط، حتى بلغوا شطوط الجزر البريطانية في أقصى شمالي أوروبا، وأنشئوا المكاتب التجارية في جنوبي القارة الأوروبية وشمالي أفريقيا، وكان من أخلاقهم ما يشبه هذه الأعمال والهجرات، ولا سيما على عهد الحكومة الرومانية، حتى إذا جاء الإسلام كانت منهم جيوش وقواد وقضاة تسافر إلى القاصية، ورجال الشام كانوا في مقدمة الفاتحين للأندلس في الغرب، وهم الذين فتحوا الفتوح في الشرق وأوغلوا فيها حتى وصلوا إلى بكين عاصمة الصين، وضربوا الجزية على صاحبها.
وبعد، فإن فتن التاتار والصليبيين أضعفت حال البلاد وقللت سكانها، خصوصا على عهد حكومات الإقطاعات الظالمة، فقلت الولادات وكثرت الوفيات، والأمة المظلومة في الغالب يضعف تناسلها، ويكثر الموتان في أولادها، بل تندر النضرة في وجوه أهلها، ولم تقصر الحوادث السماوية في انتياب هذه البلاد، فكانت الزلازل والأوبئة تحصد أهلها بالألوف، وما بقي منهم يهلكه الظلم وقلة العلم.
حتى إذا جاء القرن الماضي، ونشر خط كلخانة، ووضعت التنظيمات الخيرية، ودخلت البلاد العثمانية في طور أحبت فيه احتذاء مثال الغربيين في إدارتها، وضعفت سلطة العمال بعض الشيء، وقوي ارتباطهم بالمركز، خصوصا بعد إنشاء الأسلاك البرقية التي سهلت وصول الشكاوى إلى العاصمة بعض التسهيل، وأخذ الفلاح يأمن على زرعه وضرعه بالنسبة للماضي، والتاجر في المدن قد تنجو من البوائق متاجره، وكثر بعد حوادث سنة 1860 اختلاط أهل هذا القطر بالغربيين، وأنشأت الجمعيات الدينية مدارسها الراقية في المدن والقرى، بعد كل هذا عادت النفوس تنمو خصوصا في لبنان بعد نظامه الجديد، وارتفاع أعلام الأمن في ربوعه، وأصبح من الندرة الاغتيال والاقتتال فيه فكثرت نفوسه.
وإذ كانت زراعة لبنان ضعيفة، تعد بين الزراعات في الدرجة الثالثة أو الرابعة، لم يقم بمعاش سكانه، فأخذوا يهاجرون أولا إلى البلاد القريبة منهم، ولما تنوقلت الأنباء عن نجاح جماعة من تجار بيت لحم في أميركا سمت الهمة ببعضهم إلى السير على آثار من سبقوهم، وساعد على ذلك اتصال آسيا بأفريقيا وأوروبا وأميركا بالبواخر، فوفق بعض من هاجروا من لبنان إلى جمع جانب من المال، فاشتهر بين قومهم نجاحهم، وأخذ يتبعهم في خطتهم الأقرب فالأقرب من سكان البلاد، وكان أهل الجبال وهم معتادون القلة وشظف العيش في الجملة هم الناهضون لهجرة بلادهم، ولم تمض بضع سنين حتى سرى داء الهجرة إلى الأصقاع المخصبة من أرض الشام مثل وادي الأردن، ووادي العاصي، وسهل البقاع، وسهل حوران، فجاراها جبل لبنان، وجبل عامر، وجبل حرمون، وجبال عكاء، وجبال اللكام، وجبال الخليل، واشترك السهل والوعر في الهجرة، ونال من آثارها دمشق وبيروت وحلب والقدس كما نال أحقر قرية.
واشتهر في الأكثر من ارتاشوا واغتنوا وآبوا إلى بلادهم، فعمروا لهم دورا على الطرق الغربية، واقتنوا الأملاك وأقاموا العقارات، وأخذوا بحظ من الرفاهية، ونسي الناس أو لم يذكروا من هلكوا وتشتتوا، فما عتمنا وقد حسبنا الراحل عنا، والراجع إلينا إلا وقد أصبح المهاجرون زهاء أربعمائة ألف رجل على أقل تقدير من السكان مهما بالغنا في تقديرهم، وعددنا في جملتهم بعض البوادي، لا يبلغون أكثر من أربعة ملايين، وقدر بعض الصحافيين عدد المهاجرين من السوريين بخمسمائة وسبعين ألفا، وغالى بعضهم فقدرهم بزهاء مليون، ويمكن أن يجاب عن هذا التقدير الكبير بالأثر الحادث عنه أي بإضافة عدد من الأولاد الذين كانوا يولدون لهذا القدر من المهاجرة لو بقوا في بلادهم من أزواجهم، أو تزوج العزب منهم في السن المعينة للزواج في هذه البلاد.