وظلت اللغة العربية لغة التقاليد في الحب والعلم والشعر في كل من صقلية وبروفنسا وإيطاليا وبيزنطية بل في قلب بلاد ألمانيا، ورافق الشعر جيوش العرب الفاتحين وسفنهم الظافرة، وواكبت قوافيه قوادهم، فكانوا يولجونها في الصدور على سنان الحراب ، ناشطين لإذاعتها نشاطهم لإذاعة سور القرآن الكريم، ولم يكن جل أناشيد طبقاته القديمة وكثير من آغاني شعراء الولايات الجوالين غير قصائد عربية لشعراء الأندلس، أدخل عليها بعض التطور، وبقيت محتفظة بأثر الروح الشرقي. وبالعربية نظم الإمبراطور فريدريك الثاني ملك صقلية مقاطيع ممتعة، وجمع في بلاطه رهطا من علماء الإسلام وشعرائه ليتخذهم ذريعة يبعث بها في ملكه ما كان للأدب العربي من بهاء في دمشق وبغداد وقرطبة وإشبيلية، وهي المدائن الأربع التي كانت في ذلك العهد قبلة أنظار النهضة الأدبية في العالم أجمع، وقد اتضح للباحثين من المعاصرين أن في شعر دانتي الذي هو فخر أمة بأسرها، مآخذ صريحة مردودة إلى الأدب العربي.
قال: وإن روح الفروسية التي سادت القرون الوسطى، وأحالت همجية الحروب إلى مداعبات على ظهور الخيل في ميادين الألعاب وأنتجت من الحب أدبا عاليا، ومن المرأة صنما معبودا، لهي روح خلقها الشعر العربي، وحملها إلى العالم على أجنحة موشحاته، فعم العالم «الأدب المنمق» الذي سبق «الرومانطيقية»
7
ببضعة أجيال، ولئن كان للشعر العربي هذا التأثير في العالم، فأحر به أن يكون في إسبانيا أشد بلوغا منه في غيرها، كيف لا وقد عاش العرب سادة فيها مدة ثمانية قرون، شادوا في خلالها أفخم صروحهم الهندسية والعلمية والأدبية، لا جرم أن ملوك الكثلكة الظافرين أجلوا العرب منذ قرون عن شبه الجزيرة الإسبانية، ولكن اللغة العربية ما برحت تمد معجمنا بما ينيف عن ربع مفرداته، كما أن أنوار آدابها ما فتئت تلهب مخيلاتنا بأشعتها، وتسعر دماءنا بحرارتها، دافعة بنا إلى مجازفات تنطوي على جنة، تراها ماثلة أي مثول في حكايات دون كيشوت وأضرابه من الفرسان، وقد تأثر جل أدبنا الروائي وشعرنا بما اندمج فيه من الأسلوب العربي المحض، حتى إن أوزان التفاعيل الثمان، هي في الأصل بحر اتخذه شعراؤنا، ونظموا به على قافية واحدة، تتكرر في جملة الأبيات على نحو ما هو مألوف في الشعر العربي.
ثم قال: «ويتعذر علينا، نحن الإسبانيين، إتمام أبحاث تاريخنا، والنظر في آداب لغتنا، إن لم يستعن مؤرخونا ونقادنا في مباحثهم بلغة المعتمد وأبي البقاء، أو يستمدوا من المخطوطات العربية المبعثرة في أنحاء العالم، وإنك لتجد في جميع الآثار التي خلفها كتابنا الأقدمون مسحة انتقادية هي أثر المعارف العربية الباسطة نورها على اللغات الحديثة منذ أنشأ «الدون خوان مانويل» كتابه المسمى «كونده لوكانور»، إلى أن ألف «روخاس» كتابه «كالستينا»، ولا نغفل عن التنويه بمؤلفي «اللمح» وسواهم من كبار الكتاب والمنشئين، وليست جميع القصائد المجموعة في كتب الآغاني الإسبانية لمختلف الشعراء سوى انتحال ما في الدواوين الشرقية من شعر، فإنك ترى ناظميها يرافقون في أناشيدهم الإيقاع المتكرر في ألحان الرباب.
ليس في طاقتنا، معاشر الأندلسيين المؤمنين بالنصرانية، أن نجحد دين أسلافنا المسلمين، فلئن كان الأول دين سرائرنا، فالثاني ما برح نتاج خيالنا القومي المزدان ببدائع التصور، وإننا على رغم لباسنا الحديث، وإهمالنا لغة أسلافنا العرب، ما نزال أحفاد أولئك البدو الذين تعودوا في وحشة الصحراء أن يخاطبوا الله وهم قعود أمام مضاربهم المنسوجة بوبر الإبل، ولو نزعنا بعض الكلس عن جدران جل كنائسنا، لألفينا تحته لمعا مذهبة لاسم الله الأقدس محفورة بحروف كوفية، ولو خدشنا بالأظافر بشرتنا الأوربية الصفراء لبرز لنا من تحتها لون بشرة العرب السمراء. إن قوميتنا الغربية هي العرض الظاهر، أما القومية الشرقية فهي حقيقتنا الخالدة، وما كانت عامة ثوراتنا الأدبية القديمة والحديثة في الغالب غير أثر الروح العربي الذي يطفر من سويداء قلوبنا محتجا ناقما؛ لأن ابن الصحراء المتمرد الحر الذي تعود الهواء الطلق تحت نور الشمس لا يقوى على الحياة خلف القضبان المتراصة في الأقفاص المظلمة المثقل جوها بكثافة القواعد المنطقية والمناهج اللغوية.