وللأندلسيين فضل السبق في اختراع الموشحات التي تهيج النفوس الخاملة، وتتشربها القلوب لسلاستها، كأن سماء الأندلس أوحت إلى قرائحهم ما لم توحه سماء الشرق. وتجارى غواة القريض في نظم هذه الموشحات وترديدها
3
إلى الغاية، واستظرفها الناس جملة، لسهولة تناولها وقرب طريقتها، وقد كثرت اختراعاتهم في المعاني، وألبسوا الشعر ديباجة مستملحة كسرت قليلا من قيوده، وألبسته حلة مدنية كالحلل العراقية والشامية أيام رواج الشعر في بعض أدوارهما الراقية.
من جملة ما حمله العرب إلى الغرب روحهم الشعري فأولع به من حذقوا اللغة العربية، ولم يكن الشعر قد ارتقى في بعض أمم الغرب، وكانت بعض الأمم إلى عهد قيام العرب لا تعرف لها شاعرا يرفع رأسها بشعره، اللهم إلا بعض آغان أشبه بشعر العامة منه بشعر الخاصة، فكان من اختلاط العرب بالإفرنج في الأندلس وصقلية وجزائر الباليار ما لقن تلك الأمم ولا سيما الأمم اللاتينية معنى الشعر، فنقلوا عن العرب ما أولعت به نفوسهم ولاءم طباعهم، وعالج العرب ما خلا الشعر جميع ضروب الأدب
4
كالملاحم والحب والفروسية، وأحرزت الوقائع العجيبة التي كانت تتخلل قصصهم موقعا عظيما في النفوس، فكانوا، وهم الفنانون المنقطع نظراؤهم، يزينون كل ما يمسونه بتصوراتهم الباهرة. واخترعوا في إسبانيا
5
قصص الفروسية، ومن عادة العرب أن يجتمعوا كل مساء تحت خيامهم، يستمعون إلى من يدهشهم بقصصه، وكانت هذه القصص في غرناطة يتبعها رقص وغناء.
كانت القصائد التاريخية والمواليا الإسبانية محتذاة أو مترجمة عن العربية تذكر فيها أعياد الأيام، وألعاب الخاتم، وصراع الثيران، ورقص الفرسان، ولم يبتكر الإسبانيون شيئا في هذا المعنى قبل القرن الخامس عشر، وهذا الظرف هو الذي جعل لعرب إسبانيا شهرة في كل أوروبا. وقد قال فرنسيسكو فيلاسباسا شاعر الإسبان لهذا العهد: لم يصب شعب
6
من موهبة الشعر الإلهية بقدر ما أصاب الشعب العربي منها، فكان من ولوعه بالشعر ومن ثقافته التواقة إلى الحرية والبطولة ما وسم شعره بطابع خاص كان شعاره منذ ظهوره، وما انتصار الإسلام الباهر إلا انتصار للشعر العربي أيضا. وسيطر العرب إبان انتصاراتهم على أرقى شعوب الأرض وامتزجوا بهم، فأخذ عنهم المصريون والبيزنطيون والرومانيون مناحي جديدة، بدأت منذ ذلك الحين تسود خشونة شعرهم القديم، ولم يتعد هذا التأثير الخلابة في التركيب والتلاعب بالألفاظ، وظلت القصائد العربية القديمة سليمة لم يطرأ عليها فساد القلوب، ولا تصرفت بها الألسن على هوى الرواة، فكانت كالإرث الثمين يتناقلها الناس جيلا بعد جيل، وظل بدو الصحراء رعاة النجوم أو في الشعوب خبرة في تخير الأخيلة، وأوفرها غنى بالمادة الشعرية، ولم تتهيأ للشعر العربي في عامة الأقطار التي اكتسحتها العرب تربة أصلح من تربة الأندلس، ولا زها في بلد من البلدان زهوته في هذا البلد.
قال: وكان قواد العرب أولا ومن بعدهم الخلفاء والأمراء مثالا للشعب في بث الفكرة الأدبية في الأندلس العربية، تكاد لا تستثني منهم واحدا لم يخلد اسمه بقصيدة غرام أو حماسة منذ أنشأ عبد الرحمن الأول تحيته الوطنية الممتعة التي خاطب بها النخلة الأولى التي غرسها بيده على ضفة النهر الكبير، إلى أن أنشد أبو عبد الله على ضريح مريم موشحته المشجية راصفا قوافيها بفلذات قلبه المنفطر الدامي، وإن أنس لا أنس المعتمد آخر ملوك إشبيلية، وفي رأيي أن شعره أجلى مثال للشعر العربي، إن لم يكن بجماله، فبالتشاؤم الذي فيه، وبالشؤم الذي رافق حياة صاحبه، وكان حلقة من سلسلة الأبطال الذين ناوأهم القدر في مختلف أدوار التاريخ.
ونسج الأشراف على منوال سلاطينهم، فنمت رياض الأدب الغنائي، وأزهرت في ظلال السيوف فتفشت عدوى الاشتغال بالأدب العربي بين أساقفة النصارى ممن استعربوا في ذاك العهد، فراحوا يقرضون الشعر بلغة عربية عالية، وهو لعمري حدث وحيد من نوعه في التاريخ، وفاضت أرض الأندلس الممرعة بعلوم الإسلام وآدابه التي عمت العالم، وقامت النفوس التواقة إلى العرفان في أقاصي البلدان، تبرد شفاهها الظمأى بترشف ينابيع الحب والسلام المتفجرة من الشعر العربي في قرطبة وطليطلة أولا، وإشبيلية وغرناطة آخرا، ونظم سلفستر الثاني بابا رومية قصائد عربية لها أوزانها وقوافيها.