كان الفلك والرياضيات والعلوم الطبيعية تقرأ في أوروبا في كتب العرب، ولما كان العرب سادة البحر المتوسط في القرن السابع وما بعده أعطوا الطليان والفرنسيس الألفاظ البحرية، وكان الطب العربي أساس علم الطب عند الفرنسيس أخذوه مع كثير من الألفاظ العربية، والعرب هم الذين أدخلوا إلى مونبيليه منذ سبعمائة سنة، وإلى كثير من مدن فرنسا وإيطاليا، بضائع العلوم المختلفة، جاؤا بها من الأندلس ، ودرس بعض الغربيين العلوم المختلفة على علماء العرب. ومن كتب العرب العلمية في العلم الطبيعي والرياضي والفلك والكيمياء ما فقد أصله العربي وبقيت ترجمته اللاتينية، وجميع المادة الطبية التي أخذها الغربيون من العرب بقيت إلى القرن السابع عشر هي المعول عليها وحدها. قال سنيوبوس: ويتعذر الحكم في تحديد الطرق التي دخل منها إلى أوروبا اختراع من اختراعات الشرق، وفيما إذا كان انتهى إلينا من طريق الصليبيين في فلسطين، أو من طريق التجار الإيطاليين، أو جاءنا من عرب صقلية أو من المغاربة في إسبانيا، بيد أن الحساب يمكن تقديره بما نحن مدينون به للعرب، وإن كان هذا الحساب مما يطول شرحه، فقد أتتنا من العرب: أولا الحنطة والهليون والقنب والكتان والتوت والزعفران والأرز والنخيل والليمون والبرتقال والبن والقطن وقصب السكر. ثانيا معظم صناعاتنا في التزين كالأقمشة الدمشقية القطنية والسختيان وأقمشة الحرير المزركشة بالفضة والذهب والشاش الموصلي والشفوف والحبر والمخمل والورق والسكر وعمل الحلويات والمشروبات. ثالثا مبادئ كثير من علومنا كالجبر وحساب المثلثات والكيمياء والأرقام العربية التي اقتبسها العرب من الهنود فسهل بها الحساب مهما كان صعبا، ولقد جمعت العرب وقربت جميع الاختراعات والمعارف المأثورة عن العالم القديم في الشرق (كيونان وفارس والهند والصين)، وهم الذين نقلوها إلينا ودخل كثير من الألفاظ في لغاتنا، وهي شاهدة مما نقلناه عنهم، وبواسطة العرب دخل العالم الغربي الذي كان بربريا في غمار المدنية، فإذا كان لأفكارنا وصناعاتنا ارتباط بالقديم، فإن جماع الاختراعات التي تجعل الحياة سهلة لطيفة، قد جاءتنا من العرب، وأخذ الأوروبيون من العرب صنع الجوخ في جملة ما أخذوا من الصنائع.
وكان أهل بيزا الإيطاليون ينزلون مدينة بجاية في الجزائر، فتعلموا منها صنع الشمع، ومنها نقلوه إلا بلادهم وإلى أوروبا. وقال سنيوبوس أيضا: وكان عبد الرحمن الثالث الأموي على اتصال دائم بأمراء إسبانيا وفرنسا وألمانيا وممالك الصقالبة، وكان القصر الملوكي في تولوزة من بلاد فرنسا صورة من صور قصور الخلافة في قرطبة، يتبارى فيه الشعراء وتقوم فيه للآداب سوق، ولما انتقل أحد أمرائهم ليتولى عرش فرنسا سنة 999 أدخل ما أخذ عن العرب تبدلا حقيقيا في باريز من حيث الأخلاق واللغة، وكان ملوك فرنسا من أهل السلالة الثالثة يقلدون العرب في كل شيء، وتعلم الفرنسيس أشياء كثيرة في حملة سان لوي الصليبية التي بقيت عدة سنين في الشرق، وفي الحروب الصليبية تعلم الفرنسيس صنع الورق من دمشق بواسطة أسيرين منهم قضيا زمنا في هذه المدينة، فلما عادا إلى بلادهما نشرا فيها هذه الصناعة المفيدة، وكان لكثير من ملوك أوروبا حرس من العرب إلى عهد قريب، ولا سيما إيطاليا وفرنسا. وذكر سيديليو أن بعض الإفرنج زعموا أن العرب لم يعملوا في تقدم الصنائع شيئا مع أنهم برعوا في جميع الفنون الصناعية واشتهروا عند سائر الأمم بأنهم دباغون سباكون جلاءون للأسلحة نساجون أصناف الأقمشة، ماهرون في الأشغال التي تصنع بالمنقاش والمقراض، ويؤيد علو كعبهم في هذه الفنون سيوفهم الباترة، ودروعهم الخفيفة الصلبة، وبسطهم ذات الوبر، ومنسوجاتهم من الصوف والحرير والكتان، وما كشمير هذه الأيام إلا نموذجات دالة على تلك الصناعة. ويقول رينو في كتابه الغارة على فرنسا: إن العرب لما آغاروا من الأندلس على جنوبي فرنسا وافتتحوا بقيادة السمح الخولاني وعنبسة الكلبي والحر الثقفي مدائن أربونة وقرقشونة وأفنيون وليون كانوا مجهزين بأسلحة لم يكن للإفرنج مثلها.