وظفر العرب في الشام وفارس بصناعات قديمة نقلت إلى جميع البلاد الإسلامية فتكملت، ومنها نشأت صناعة أوروبا الحديثة. ذكر سنيوبوس أنواع هذه الصنائع التي نقلوها من الشرق إلى الغرب ولا سيما إلى الأندلس، قال: عاشت الشعوب في بلاد العرب الواسعة كما كانت الحال على عهد الرومان من أقصى المملكة إلى أقصاها بسلام وراحة، يتقايضون حاصلات أرضهم ومصنوعات معاملهم، ويرحلون إلى الهند والصين يبتاعون مصنوعات الأمم الصناعية ليحملوها إلى الشعوب البربرية في أوروبا، ينقلونها في البر والبحر. وذكر ريسون
16
أن العرب أحرزوا فضل السبق دون غيرهم في مضمار التجارة، ورقوا الصناعة البحرية، ووضعوا قوانين حقوق الملاحة، واقتبسوا استعمال إبرة السفينة من الصينيين، وضبطوا التجارة بفن مسك الدفاتر أي ضبط، وشرحوا الكفالة وأنشأوا المصارف للفقراء، ووضعوا السفاتج (الكمبيالات) المألوفة وردود التمسك (البروتستو)، وبعثوا الحركة في مصارف الغرب الحديثة. قال: وكنت تراهم حين نزلوا يمهدون السبل، ويعمرون المرافئ والفرض، ويصلحون الفنادق والرباطات، ويرتبون سير القوافل، وكانت المدن الإسلامية أوساطا تجارية كبرى، وبعد أن ذكر ارتباط المدن الإسلامية وعدد نفوس العواصم منها وعظم حركتها، قال: وإن تعجب فاعجب للعرب كيف نبغ بينهم لأسفارهم المترامية أساتذة جغرافيون هذبوا في وقت قصير كتاب بطلميوس، وكشفوا بلادا أخرى بغير أقدامهم لم توطأ؛ ووسعوا المصورات للغربيين، وحببوا إليهم التنقل والترحال.
وقال سنيوبوس: وكتب علماء العرب أول كتاب في الجبر، ووصف علماء الجغرافيا منهم البلاد البعيدة التي كانت تختلف إليها القوافل، واستخرجوا من كتب الطب اليوناني الطب التجربي، وهو طب العقاقير والحبوب، وأهم ما غلب على العرب من العلوم علم الكيمياء. وقال ريسون: إن استبحار عمران العرب مع سرعة انتشار سلطتهم في المعمور هيأ لنا إدراك مكانة المدنية العربية، فكانت هذه الحضارة الباهرة في القرون الوسطى مزيجا من المدنية البيزنطية والفارسية، وقد تم هذا المزيج المدني بأمرين: عشق العرب للتجارة وغرامهم بالاستعمار، وأصبحوا لذكائهم الوقاد، ولما غرس فيهم من حب الاطلاع على كل شيء، يخوضون غمار العلوم الطبيعية والرياضية، فابتدعوا الكيمياء وبرعوا بها ، وطبقوا تلك العلوم على الزراعة والصناعة، ولهم المنة على جميع الأمم بأرقامهم العربية وباستنباطهم فن الجبر والمقابلة، وتهذيبهم الهندسة، وأعمالهم الجميلة الفلكية في أبحاث سمت الشمس، ومعادلة الليل والنهار، والبقع الشمسية، ولقد اصطنعوا الآلات العجيبة الفلكية كالاصطرلاب ونحوه، وكشف كيماويوهم وأطباؤهم عن خواص الغول والنشادر وحامض الأزوت والكبريت والمياه المعدنية، وأدخلوا في كثير من أدويتهم مواد من نبات بلادهم كالكافور والراوند والسنامكي، وهم أسرع الناس لتدوين أنسابهم وملاحمهم وأبطالهم ورواية أشعارهم، والكتابة في فلسفة التاريخ وعلوم الاجتماع، وتوصل العرب إلى إثبات تناسب جيوب الأضلاع لجيوب الزوايا المقابلة لها في أي مثلث كروي، ووضعوا هذه القاعدة أساسا للطريقة التي سموها الشكل المغني في حل المثلثات الكروية، وعرفوا حامض الكبريت استخرجوه من الزاج بواسطة التقطير، وعرفوا ماء الفضة والقلى، وطرق إذابة الذهب وملح النشادر وحجر الكي والسليماني، وكانوا يطبقون ما كشفوه على الطب والصناعة والحرب،
17
ويعرفون صنع الصواريخ أخذوا سرها من الروم، وعملوا البارود للمدافع، وربما كان ذلك قبل الصينيين، ولكن كان قبل الأوروبيين على التحقيق، فكانت جيوشهم تستعملها منذ القرن الثالث عشر، وقالوا بكروية الأرض منذ ابتداء نهضتهم. وعني العرب بصنع القاشاني وغيروا طرق صنعه وأشكاله، واشتهرت في القرون الوسطى الأواني الزجاجية والمصابيح العربية الملونة التي انتقلت من الشام إلى معامل البندقية ونسجت هذه على منوالها، وكذلك تعلم البنادقة صنع المرايا وكانت تصنع في الصور، ومن البندقية انتقلت إلى أوروبا، ونقل من الشام والعراق إلى الأندلس صنع السيوف الدمشقية والأقمشة، ومنها «الدمقس» نسبة إلى دمشق، «والموسلين» نسبة إلى الموصل وهو الشفوف، ثم عرفت هذه الأصناف في بلاد الغرب.