تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

وقد عد لكلرك في تاريخ الطب العربي ثلاثمائة كتاب نقلها الغرب من العربية إلى اللاتينية، وما عرفت القرون الوسطى المدنية إلا بعد أن مرت من لسان أشياع محمد، وبعض هذه المترجمات لكتب القدماء التي فقد أصلها، حفظت هذه الأسفار من الضياع فوصلت إلى الغرب، فإلى العرب وإلى العرب وحدهم، لا إلى رهبان القرون الوسطى ممن كانوا يجهلون حتى وجود اللغة اليونانية، يرجع الفضل في معرفة الأقدمين، والعالم مدين لهم على وجه الدهر لإنقاذهم هذا الكنز الثمين. يقول ليتري: «لو حذف العرب من التاريخ لتأخرت نهضة الآداب عدة قرون في الغرب.»

وقال لبون في مكان آخر: تمتعت إسبانيا بمدنية سامية بفضل العرب، بينا كانت بقية أوروبا غارقة في التوحش العظيم، ولو مشى الغرب تحت راية العرب، لتسامت منزلته، ولو رقت أخلاق أهله ما وقعوا في الحروب الدينية ومذبحة سان بارتلمي، وديوان التحقيق وكل ما شاكل ذلك من المصائب التي أغرقت أوروبا بالدماء عدة قرون، وما عرف المسلمون ما يشبهها في أرضهم. وقال أيضا: كان تأثير العرب في عامة الأقطار التي احتلوها عظيما جدا في الحضارة، ولعل فرنسا كانت أقل حظا في ذلك، فقد رأينا البلاد تتبدل صورتها حيثما خفق علم الرسول الذي أظلها بأسرع ما يمكن، وأزهرت فيها العلوم والفنون والآداب والصناعة والزراعة أي إزهار.

| تأثير العرب في البلاد المغلوبة

سوء حال بلاد الأكاسرة والقياصرة

أصبحت البلاد الخاضعة لسلطان الفرس وسلطان الروم قبيل الإسلام منهوكة القوى بالحروب والمجاعات والأوبئة، ضرب هرقل صاحب الروم مملكة فارس ضربة شديدة، فكان من ذلك ضعفه وضعف خصمه، وغزا الفرس الشام ومصر وخربوا في مملكة قيصر، فمقت الناس كسرى في فارس وهرقل في الروم، وكلاهما قاست أمته الأمرين من جائر أحكامه وفاحش مغارمه؛ حاصر كسرى مدينة القسطنطينية ست سنين، حتى مات أكثر أهلها جوعا، وقتل هرقل في فارس الرجال والنساء والصبيان وسبى سبيا كثيرا، وكان ذلك في السنة السابعة من الهجرة.

وكان يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس وهو ابن حفيد كسرى، قد ملكه الفرس عليهم لما كانوا فيه من الانتشار، ملكوه وهو ابن خمس عشرة سنة، كما ملكوا طفلا آخر، وقد ملكت عليهم بوران بنت كسرى؛ وبلغ النبي خبرها، فقال: «لن يفرح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة.» وكأن الفرس أدركوا قوة العرب فقالوا فيما بينهم: إنما أتينا من تملك النساء علينا، فاجتمعوا على يزدجرد، فكان الملك في فارس قبيل الإسلام ألعوبة بأيدي النساء والأطفال، والرعية متشعبة إلى أديان وفيهم المجوس، والمجوسية دين الدولة، وفي البلاد اليهود والنسطوريون وهم ممن لا يستهان بهم.

وبلغ هرقل سن الشيخوخة وأغواه رهبان إيليا، فقتل اليهود حول بيت المقدس وجبل الجليل قتلا ذريعا بدعوى أن اليهود لما وافى الفرس فلسطين أعانوا هؤلاء على قتل النصارى، وأخربوا الكنائس وأحرقوها بالنار، وقتلوا النصارى في صور وخربوا بيعهم، فقتل كما قتل ابن بطريق من اليهود ما لا يحصى عدده ممن قدر عليه، وأرضاه الرهبان بأن صاموا له غفرانا لنقضه العهد الذي كان أعطاه لليهود، ولإفحاشه في قتلهم. وكان الخلاف الديني على أشده بين النصارى في مملكة الروم؛ اختلفوا في المسيح، وقال قوم: إن للمسيح طبيعتين

1

بمشيئة واحدة وفعل واحد وأقنوم واحد. وقال آخر: إن للمسيح مشيئتين وفعلين كما أن له طبيعتين؛ لأنه يستحيل أن تكون مشيئة واحدة لذات طبيعتين، ولو كان ذا مشيئة واحدة لكان ذا طبيعة واحدة، فلما كان ذا طبيعتين فهو ذو مشيئتين.

وليتصور المرء بلادا منقسمة على نفسها، خارجة من حروب أضعفت في أهلها مادة الحياة، لا مال لديها ينشلها من شقائها، ولا شيء مما يقال له: رخاء وهناء بات يعهد فيها، الفقر يخرب في كيانها، والمجاعات والجوائح من الأمور العادية في ربوعها، وكل واحد من الفرس والروم يتطلب الفرج من أي سبيل جاءه؛ لأن النفوس امتلأت غيظا على الأيام وعلى الحكام، وبينا الناس على ذلك جاء الفاتحون من العرب ففرح بمقدمهم أهل البلاد، ومنهم من عاونوهم بالفعل، وإن اضطر بعض الفرس والروم أن يحاربوا العرب مع كسرى وقيصر دفاعا عن الحوزة، فالناس كانوا إذا في بلاد الأكاسرة والقياصرة زاهدين في المظاهر القومية، ضعفت في نفوسهم معاني الاستقلال، وهم بما صاروا إليه من سوء الحال يحاولون أن يضعوا أيديهم في يد كل من ينتشلهم من سقطتهم وفاقتهم، ويدفع عنهم عوادي الفوضى ولو إلى أجل معلوم.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٨٤