تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا كان المسلمون في العالم حكاما ومحكومين، السلطان يعمل والواعظ يعظ، والناس آمنون والحرية مشاعة شاملة، وبهذه الحرية التي تمتع بها العرب في دولهم، قبل أن تعرف معناها أمة من الأمم قبلهم، نشأ رجال في السياسة والحرب والإدارة والعلم والفن والصنائع والتجارة كانوا غرة في جبين الدهر، ولو جئنا نعدهم ونشير إلى ما رزقوا من ثقوب أذهان، ووفرة علم، وسمو أخلاق، ولطف حيلة، لاقتضى الخروج عن حد الإيجاز، وبأدنى نظر في سيرهم، يثبت لنا أن دينهم لم يحل دون مدنيتهم، من الظهور بهذا المظهر الخلاب الذي استهوى كل من عرفه، ولا ريب أن قليلا في رجال الغرب قبل عصر النهضة من بلغوا في الفضل والكمال مبلغ رجال الأمويين في الشرق والأندلس وبعض رجال العباسيين، بل مبلغ رجال ملوك الطوائف، وقليل جدا في الغرب من كانوا متصفين بصفات الخير أمثال الصاحب بن عباد وابن العميد وركن الدولة ابن بويه ومنصور بن نوح الساماني وأبي الفداء ومحمود بن سبكتكين وصلاح الدين ونور الدين وطغتكين والمنصور بن أبي عامر، وعشرات بل مئات بيضوا وجه الإنسانية بأعمالهم الصالحة، وبنبوغهم في معاناة أحوال الناس وحملهم على الجادة، لينعموا بالسعادتين الدنيوية والأخروية.

وكان الغربيون خلال القرون الطويلة التي كان فيها العرب أنجب أمة من أمم الخليقة يترامى إليهم من طريق الأندلس وصقلية وإيطاليا أولا، ثم من طريق الصليبيين، ما تم في بلاد العرب والمسلمين من الرقي، فتصبو نفوسهم إلى تحقيق مثله أو بعضه في ربوعهم، وأنى لهم ذلك وسلطة رجال الدين عندهم تناولت كل فروع الحياة، وفرسانهم وملوكهم كانوا أدوات للتدمير لا للتعمير، تغلب الفظاعة على أعمالهم، والسماجة تقرأ في تضاعيف مجتمعهم، وحضارتهم على حالة ابتدائية، كلما حفزها حافز عادت أدراجها بعوامل التقهقر المغروسة فيها.

رأي لبون في تأثير العرب في الغرب

ولقد أجمل لبون دور الانتقال في الغرب وتأثير العرب فيه في صفحة واحدة، فقال: «كان

17

تأثير العرب في الغرب عظيما، وإليهم يرجع الفضل في حضارة أوروبا، ولم يكن نفوذهم في الغرب أقل مما كان في الشرق، ولكنه كان يختلف عنه، أثروا في بلاد المشرق بالدين واللغة والصنائع، أما في الغرب فلم يؤثروا في الدين، وكان تأثيرهم في الفنون واللغة ضعيفا، وتأثيرهم بتعاليمهم العلمية والأدبية والأخلاقية عظيما، ولا يتأتى للمرء معرفة التأثير العظيم الذي أثره العرب في الغرب، إلا إذا تصور حالة أوروبا في الزمن الذي دخلت فيه الحضارة، وإذا رجعنا إلى القرنين التاسع والعاشر للميلاد، يوم كانت المدنية الإسلامية في إسبانيا زاهرة باهرة، نرى أن المراكز العلمية الوحيدة في عامة بلاد الغرب كانت عبارة عن مجموعة أبراج يسكنها سادة نصف متوحشين، يفاخرون بأنهم أميون لا يقرءون ولا يكتبون، وكانت الطبقة العالية المستنيرة في النصرانية عبارة عن رهبان فقراء جهلة، يقضون الوقت بالتكسب في ديرهم بنسخ كتب القدماء، وليبتاعوا ورق البردي اللازم لنسخ كتب العبادة.» «وطال عهد الجهالة في أوروبا، وعم تأثيره بحيث لم تعد تشعر بتوحشها، ولم يبد فيها بعض الميل للعلم إلا في القرن الحادي عشر، وبعبارة أصح في القرن الثاني عشر. ولما شعرت بعض العقول المستنيرة قليلا بالحاجة إلى نفض كفن الجهل الثقيل الذي كان الناس ينوءون تحته، طرقوا أبواب العرب يستهدونهم ما يحتاجون إليه؛ لأنهم كانوا وحدهم سادة العلم في ذاك العهد، ولم يدخل العلم أوروبا في الحروب الصليبية كما هو الرأي الشائع، بل دخل بواسطة الأندلس وصقلية وإيطاليا. وفي سنة 1130 أنشئت مدرسة للترجمة في طليطلة بعناية ريموند رئيس الأساقفة، وأخذت تترجم إلى اللاتينية أشهر مؤلفي العرب، وعظم نجاح هذه الترجمات، وعرف الغرب عالما جديدا، ولم تفتر الحركة في هذه السبيل خلال القرن الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر، ولم تنقل إلى اللاتينية كتب الرازي وأبي القاسم وابن سينا وابن رشد وغيرهم، بل نقلت إليها كتب اليونان أمثال جالينوس وأبقراط وأفلاطون وأرسطو وأقليدس وأرخميدس وبطلميوس، وهي الكتب التي كان المسلمون نقلوها إلى لسانهم.»

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٨٣