تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

32

مائة غلام يتكلم كل واحد منهم بلغة غير لغة الآخر فكان يكلم كل واحد منهم بلغته، وكانوا يسمون القراء

33

من يقرءون الكتاب وليسوا أميين؛ لأن الأمية صفة عامة في الصحابة، فقيل لحملة القرآن يومئذ: قراء إشارة إلى هذا، فهم قراء لكتاب الله والسنة المأثورة عن رسوله، وهؤلاء بدءوا عقبى الفتوح ينتشرون في الأمصار.

كانت أول بعثة علمية أرسلت من الحجاز إلى الشام في إمارة يزيد بن أبي سفيان، كتب هذا إلى عمر بن الخطاب أن أهل الشام قد كثروا وربلوا

34

وملئوا المدائن واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فأرسل إليه معاذا

35

وعبادة وأبا الدرداء، فصار الأول والثاني إلى فلسطين، وصار الثالث إلى دمشق، وكان الفضل الأول في اقتراح إنفاذ هذا المشروع العظيم لأحد أبناء أبي سفيان النجباء، كما كان الفضل الأعظم لعثمان بنسخ صحف القرآن في المصاحف، فأرسلت المصاحف التي كتبت منه إلى الكوفة والبصرة ودمشق ومكة والمدينة، وضعت في جوامع الأمصار يقرأ فيها القراء ويرجع إليها الحفاظ، وأبقى عثمان لنفسه مصحفا عرف بالمصحف الإمام، وغبر الناس يقرءون في مصحف عثمان نيفا وأربعين سنة إلى أيام عبد الملك بن مروان، ثم كثر التصحيف في العراق ففزع الحجاج ابن يوسف إلى كتابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات فوضعوا النقط أفرادا وأزواجا، وخالفوا بين أماكنها فأصبح الناس لا يكتبون إلا منقوطا ثم أحدثوا الإعجام، وكان عثمان كسائر بني أمية وبني عبد شمس في الغاية من الغيرة على بث الفضائل في الناس، يكرم صاحبها أيا كان، وذكروا وهو من البراهين على حبه للعلم، أن حرملة بن المنذر

36

الطائي كان شاعرا نصرانيا أدرك الجاهلية والإسلام، وكان من وزراء الملوك ولملوك العجم خاصة، وكان عالما بسيرهم، فكان عثمان يقربه على ذلك ويدني مجلسه.

وتوسع معاوية في طلب العلم فقال يوما: وددت أن عندنا من يحدثنا عما مضى من الزمن، هل يشبه ما نحن فيه اليوم، فقيل له: إن بحضرموت رجلا معمرا اسمه أمد بن أبد الحضرمي فأتى به، وورد عليه من اليمن عبيد بن شرية من المعمرين، وكان آية باهرة في معرفة تاريخ اليمن وملوك العرب والعجم، يرويها مشفوعة بالقصائد الرنانة، فأمر معاوية كتابه

37

أن يدونوا ما يتحدث به عبيد بن شرية في كل مجلس سمر فيه معاوية، وكان يعجب بما يلقيه عليه عبيد، ويستزيده من إيراد الشعر؛ لأن الشعر كما قال معاوية: ديوان العرب والدليل على أحاديثها وأفعالها والحاكم بينهم في الجاهلية، فكان بدء تدوين التاريخ على يد معاوية، واستصفى معاوية أيضا كعب الأحبار وهو من حمير من آل ذي رعين، أسلم وجاء الشام مع عمر بن الخطاب في فتح القدس، فجعله معاوية من مستشاريه لكثرة علمه، وكان يروي أشياء عن الجاهلية والإسلام، وبعض ما نسب إليه معدود في الإسرائيليات. وكان سعيد بن عريض بن عادياء ابن أخي السموءل

38

بن عادياء من يهود الحجاز شاعرا يفد على معاوية فيدخل عليه وهو على طنفسة ونعلاه في رجله، وهو متوشح بملحفة،

39

فيكثر معاوية الترحيب به ويدني مجلسه ويأخذ بيده. وإذا كان هذا النبوغ يظهر من معاوية ويزيد من أبناء أبي سفيان، فإن أباهما أبا سفيان وجدهما حربا نقلا الخط العربي إلى الحجاز، وهذا من أعظم مآثر بني أمية على العرب، بل إن السنة، أي أحاديث الرسول لم تدون آخر المائة الأولى إلا بأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الأموي؛ فقد كتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله أو سنته فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء.

دخول العلوم المادية

وعمر بن عبد العزيز هو الذي أمر بنقل كتاب أهرن بن أعين في الطب إلى اللغة العربية، وهو الذي أمر عاصم

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٦٩