مبدأ الحضارة والتوسع في الإنفاق وثروة الأمويين
على أن الخليفة الثالث بدأ بإخراج البلاد من خشونة البداوة إلى حظيرة الحضارة، وبنى سبع دور فخمة لبناته وزوجاته في المدينة، وغير عمارة مسجد الرسول وكان سقفه
28
على عهد صاحب الرسالة من الجريد، وعمده من خشب النخل، وأرضه مفروشة بالحصا، فبناه عثمان بالحجارة المنقوشة والفضة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه ساجا وزاد فيه، وكان ذلك في المحرم سنة ثلاثين. أما الخليفة الثاني فإنه بكى لما قدم عليه خمس الأسلاب من فارس وقد نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين، فوالله إن هذا لموطن شكر؟ فقال عمر: والله ما ذلك يبكيني، وبالله ما أعطى هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بأسهم بينهم.
ولقد كثر الخراج على عهد عثمان وأتاه المال من النواحي، فاتخذ له الخزائن العظيمة في المدينة، وكان يقسم بين الناس فيأمر للرجل بمائة ألف درهم، وقالوا: إنه كان لعثمان بن عفان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم وخمسون ومائة ألف دينار، وترك ألف بعير بالربدة، وترك صدقات كان تصدق بها قيمة مائتي ألف دينار.
هذه صورة من ثروة العرب قبيل الإسلام وبعيده، إلى العهد الذي أخذوا فيه يتذوقون مباهج الحياة، وكان من معاوية رأس الأمويين منذ فتحت له خزائن الأرض أن أنفق كثيرا في مصالح المسلمين، ووصل الناشزين على الملك وغيرهم، وأدر كثيرا على أعمال العمران، وجرى أخلافه على طريقته، ومن أهمهم الوليد بن عبد الملك؛ فقد توسع في إقامة المصانع والجوامع فزين مسجد الرسول، وكاتب ملك القسطنطينية، فبعث إليه أربعين رجلا من الروم وأربعين من القبط، ووجه إليه أربعين ألف مثقال ذهبا، وأحمالا من الفسيفساء، وحلى المسجد بالفضة والذهب وفرشه بالمرمر وفرغ منه لانسلاخ سنة تسع وثمانين،
29
وكذلك فعل الوليد في الحرم المكي والجامع الأموي؛ فقد أنفق على جامع دمشق خمسة ملايين وستمائة ألف دينار، وجلب له مائتي عامل من الروم، ولما قيل له: إنه محق بيوت الأموال في نقش الخشب وتزويق الحيطان، خطب فقال: قد بلغتني مقالتكم وليس الأمر على ما ظننتم، ألا وإني أمرت بإحصاء ما في بيوت أموالكم فأصبت فيه عطاءكم ست عشرة سنة. وكان سبق الوليد أبوه عبد الملك بن مروان؛ فأنشأ المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ورصد لذلك خراج مصر سبع سنين، وفرغ منه سنة ثنتين وسبعين. هكذا توسع الأمويون في البناء بعد أن كثرت أسباب الثروة، وكان من خلفائهم في الأندلس في باب العمران ما هو عجيبة الأيام والدهور، أما الثروة في عهد العباسيين فما كان الإنسان يعتقد صحة ما روي عنها لولا أنه ورد على لسان ثقات المدونين لها، ولولا أنها أتت أخبارها من عدة طرق جلها موثقة.
خروج العرب من الأمية وعناية بني أمية بالعلم
بعث الرسول «وليس أحد من العرب يقرأ كتابا»، ولم يجد الرسول لإفشاء العلم في الناس إلا أن يكثر فيهم سواد من يقرأ ويكتب، وأن يحملهم على تعلم الكتابة، فكان إذا أسر جماعة من العرب وصادف فيهم أناسا يقرءون ويكتبون، ولم يكن لأحدهم مال يفتدي به نفسه يأمره أن يعلم عشرة من أولاد المسلمين القراءة والكتابة، وبهذه الطريقة فشت الكتابة في قريش وغيرها، وكان يقول: قيدوا العلم بالكتابة، وفي رواية بالكتاب. هذا وهو النبي الأمي، والأمية فيه فضيلة؛ «لأنها أدل على صدق ما جاء به أنه من عند الله لا من عنده، وكيف يكون من عنده وهو لا يكتب ولا يقرأ ولا يقول الشعر ولا ينشده.»
30
وأمر الرسول زيد بن ثابت أن يتعلم لسان اليهود، وتعلم
31
زيد هذا بالفارسية من رسول كسرى، وبالرومية من حاجب النبي، وبالحبشية من خادم النبي، وبالقبطية من خادمه، وهذا كان مبدأ تعلم العرب لغات غير لغتهم، ويروى، وهي رواية غريبة، أنه كان لعبد الله بن الزبير