44
الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ويلبسون ما غزلوا من أوبار الإبل وأشعار الغنم»، «وكان الناس طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة
45
من الشام من الدرمك ابتاع منها فخص بها نفسه، فأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير.» بل كانوا قبل الإسلام يأكلون ما دب ودرج
46
إلا أم حبين وهي أشبه بالحرباء، ولم يكن إلا لبعض قبائلهم القريبة من الحيرة والشام «شيء طريف، ولقمة كريمة، ومضغة شهية»، وقلما يعرفون «رفاغة العيش والناعم من الطعام»، والإبل عندهم أفضل الذبائح، ولأهل البدو اللباء والسلاء والجراد والكمأة والخبزة في الرائب والتمر بالزبد والخلاصة والحيس والوطيئة.
47
والفالوزق أو الفالوذج أشرف ما عرفوا من طعام، ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام إلا عبد الله بن جدعان من أجواد قريش، ذهب مرة إلى كسرى فأطعمه إياه فاستطابه، وسأل كيف يصنع فقيل له: إنه لباب البريلبك بالعسل، فابتاع غلاما يصنعه له، ورجع إلى مكة وصنع الفالوذج، ودعا إليه أصحابه، وكان له مناد ينادي «هلم إلى الفالوذ»، وكانت له جفنة يطعم فيها في الجاهلية، ويأكل منها القائم والراكب لعظمها، وربما حضر النبي طعامه قبل النبوة، وكان يسمى بحاسي الذهب؛ لأنه كان يشرب في إناء من ذهب، وقالوا في المثل: «أقرى من حاسى الذهب.» وزعموا أن ابن جدعان هذا كان في بدء أمره فقيرا مملقا وكان شريرا يكثر من الجنايات حتى أبغضه قومه وعشيرته وأهله وقبيلته، فخرج ذات يوم في شعاب مكة حائرا بائرا فرأى في غار قبور الرجال من ملوك جرهم، ووجد عند رءوسهم لوحا من ذهب فيه تاريخ وفاتهم وعدد ولايتهم، وإذا عندهم من الجواهر واللآلئ والذهب والفضة شيء كثير، فأخذ منه حاجته وانصرف إلى قومه فأعطاهم وحباهم وسادهم، وكلما قل ما في يده ذهب إلى ذلك الغار فأخذ حاجته، روى ذلك ابن كثير.
48
وإذا عرفنا أن من شعراء الجاهلية كالنابغة الذبياني وحسان بن ثابت من كانوا مرفهين في معاشهم بل فوق المرفهين، صح لنا أن نستأنس بحسن حالة العرب قبل الإسلام بعض الشيء؛ فقد ذكر صاحب الآغاني أن النابغة كان يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب من عطايا النعمان وأبيه وجده، ولا يستعمل غير ذلك، وعلى الجملة فقد كانت مضر
49
من قريش وكنانة وبني أسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة أهل شظف ومواطن غير ذات زرع ولا ضرع، بعيدين من أرياف الشام والعراق، ومعادن الأدم والحبوب، أما العرب الذين كانوا بالتلول وفي معادن الخصب للمراعي والعيش، فهم حمير وكهلان من مثل لخم وجذام وغسان وطي وقضاعة وإياد. قال ابن خلدون: ولم تكن أمة من الأمم أسغب عيشا من مضر لما كانوا بالحجاز في أرض غير ذات زرع ولا ضرع، وكانوا ممنوعين من الأرياف وحبوبها لبعدها واختصاصها بمن وليها من ربيعة واليمن، فلم يكونوا يتطاولون إلى خصبها، ولقد كانوا كثيرا ما يأكلون العقارب والخنافس ويفخرون بأكل العلهز، وهو وبر الإبل، يمهونه بالحجارة في الدم ويطبخونه، وقريبا من هذا كانت حال قريش في مطاعمهم ومساكنهم.
وكانت للعرب قبيل الإسلام مجالس أدب وطرب فيها شيء من حياة المدن ورفاهية البشر؛ ولا سيما في مدنهم الكبرى كمكة ويثرب، وكان الحكم بن العاص أبو مروان بن الحكم، وقيس الفهري أبو الضحاك بن قيس، ومعمر بن عثمان جد عمر بن عبيد الله بن معمر يضربون بالعود، وكان النضر بن الحرث بن كلدة يضرب بالعود، وتعلم العلوم القديمة واطلع على علوم الفلسفة والطب وهو ابن خالة النبي، وكان والده الحرث بن كلدة يضرب بالعود، تعلم ذلك بفارس واليمن،
50
قال المسعودي: إنه تعلم الغناء من الحيرة وكذلك ضرب العود، فقدم مكة وعلم أهلها فاتخذوا القينات، وتعلم الطب بفارس في الجاهلية وقبل الإسلام. وكان النبي يأمر من كانت به علة أن يأتيه فيسأله عن علته، وكيف يضرب هؤلاء بالعود إن لم تكن لقومهم رفاهية أو شبهها، والموسيقى لا تكون إلا في أمة استكملت الحاجيات فتطلعت إلى الكماليات، وكان عبد الله بن سعيد بن العاص يكتب في الجاهلية وأمره الرسول أن يعلم الكتاب بالمدينة، وروى ابن أبي الدنيا أنه كان يعلم الحكمة بالمدينة، واشتهرت العرب بسيوفها المشرفية ورماحها السمهرية، وسهامها التي تصيب فتصمي، وعرفوا كثيرا من آلة القتال كالدبابات والضبور