33
فاستعاروا من اليونانية ألفاظ «أسطول» و «أنجر» و«نوتي»، ومن السريانية أو الآرامية «سفينة»، «قارب»، «قرقور»، «دقل»، «ربان»، «ملاح»، «سكان»، «قلع»، «مجذاف»، «صاري»، ومن الحبشية «بحر»، «شراع»، «مرسى».
ونحن إذا نظرنا مليا في لغة العرب نفسها قبل الإسلام نجدها تحوي كثيرا من الألفاظ التي تدل على أن هناك أسماء لم توضع لو لم يكن لها مسميات عندهم معروفة، مثل قولهم برد «مرجل» فيه صور الرجال، و«مطير» إذا كانت فيه صور الطير، و«مخيل» إذا كانت فيه صور الخيل، و«مهلل» إذا كانت فيه نقوش وصور كالأهلة، و«المعين» إذا كانت ترى في وشيه ترابيع صغار تشبه عيون الوحش، وهل للغة أن يكون فيها اسم بلا مسمى؟ وما كثرت الأسماء إلا بكثرة القبائل وهي تختلف بحضارتها ورفاهيتها، والحضارة كانت في معظم العصور، ولا سيما في جزيرة العرب أشبه بواحات وسط البوادي، ليس لها هذا التسلسل الذي عرفت به في الأمم المتحضرة في الغرب، لاختلاف الأهوية وطبائع تلك الأصقاع.
ومع غلبة الأمية على العرب فإن علومهم كانت ابتدائية وأكثرها تجارب وأشعار تحمل في الصدور، فمن علومهم علم النجوم وكان لهم يد فيه، وعلم الأنواء والرياح والكهانة والعرافة أو معرفة المستقبل والغيب، والأساطير والطب والنسب والتاريخ، ومن هذه العلوم ما كانوا يتوارثونه
34
آخر عن أول على قول ابن قتيبة كالنجوم ومناظرها وأنوائها والاهتداء بها والبروق والسحاب والرياح والعلم بالخيل والإبل والنبات، هذا إلى ما خصوا به من القيافة والطرق والزجر، وإنما يكون ذلك في الواحد منهم والاثنين في القبيلة وسائر من فيها لا يعرف من ذلك إلا النبذ اليسيرة، ودخل الإسلام وليس في قريش سوى سبعة عشر رجلا يكتبون، وكان منهم جلة الصحابة، وبضع نساء، وليس في جميع اليمن من يقرأ ويكتب، وأهم علومهم الشعر كانوا يقيمونه مقام الحكمة وكثير العلم،
35
فإذا كان في القبيلة الشاعر الماهر، المصيب المعاني، المخير الكلام، أحضروه في أسواقهم التي كانت تقوم لهم في السنة، ومواسمهم عند حج البيت، حتى تقف وتجتمع القبائل والعشائر فتسمع شعره، ويجعلون ذلك فخرا من فخرهم، وشرفا من شرفهم، ولم يكن لهم شيء يرجعون إليه من أحكامهم وأفعالهم إلا الشعر، فيه كانوا يختصمون، وبه يتمثلون، وبه يتفاضلون، وبه يتقاسمون، وبه يتناضلون، وبه يمدحون ويعابون. قال ابن سلام: إن أشعر شعراء القرى العربية - وهي خمس: المدينة ومكة والطائف واليمامة والبحرين - شعراء قرية المدينة، وعرفت للعرب ذاكرة قوية في حفظ الشعر بحيث يروي العربي عشرات القصائد ومئات الأبيات على أيسر وجه، وذلك لاعتمادهم أبدا على حافظتهم، وقلما حفظوا شيئا من خطبهم؛ ولذلك كان المنقول عن الجاهلية من الشعر العربي أوفر كثيرا من المنقول من خطبهم.
قال الجاحظ: لم يكن العرب تجارا ولا صناعا ولا أطباء ولا حسابا، ولا أصحاب فلاحة فيكونوا مهنة، ولا أصحاب زرع لخوفهم من صغار الجزية، ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم وطلب ما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورءوس المكاييل، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة، ولم يستغنوا الغناء الذي يورث البلادة، والثروة التي تحدث الغرة، ولم يحتملوا ذلا قط فيميت قلوبهم، أو تصغر عنده نفوسهم، وكانوا سكان فياف وتربية عراء لا يعرفون الغمق ولا اللثق،
36
ولا البخار ولا الغلظ ولا العفن ولا التخم: أذهان حداد، ونفوس مفكرة، فحين جلوا حدهم، ووجهوا قواهم إلى قول الشعر وبلاغة المنطق، وتثقيف اللغة وتصاريف الكلام، وقيافة البشر بعد قيافة الأثر، وحفظ النسب والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب والمثالب بلغوا في ذلك الغاية وحازوا كل أمنية، وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهممهم أرفع، وهم من جميع الأمم أفخر، ولأيامهم أذكر. ا.ه.