تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كثر الرقيق أوائل الإسلام بكثرة الفتوح، ومن الإماء من استولدهن كبار العرب فجاء منهن أولاد نجباء خدموا الإسلام وأدخلوا في العرب دما جديدا بتمازج عنصرين مختلفين،

51

وبعد، فإذا أعتق المالك عبده يبقى له الولاء عليه أو عليها، وهذا ما نفع المعتق والمعتق، حتى قال الرسول: «إن الولاء لحمة كلحمة النسب.» ويكون الرقيق غالبا من الروم والفرس والحبشة والسودان وغيرهم من الأمم المجاورة لجزيرة العرب والتي حاربت العرب، ومن هؤلاء الموالي من دان بالإسلام، أو من ضرب عليه الرق، ثم أصبح مولى، وكثير من أبناء الأسرى الذين رباهم المسلمون وعلموهم القرآن والسنة شاركوا الصحابة وكبار التابعين من العرب في العلم والتعليم، ولم يوجد مصر إلا وفيه من الموالي المتعلمين عدد وافر، ومن الأمصار ما كانت الغلبة فيه للموالي أكثر من فقهاء العرب.

كان المولى عند العرب في المنزلة دون الحر الصريح، وفوق العبد الرقيق، والمولى مولى عتاقة ومولى تباعة، فمولى العتاقة هو الذي يكون عبدا أو أسيرا فيعتقه صاحبه، فيصبح المعتق للمعتق مولى، ومولى التباعة هو من يصطنع ويحالف أي يستتبع، وفي كتب الفقه فصول ضافية قلما تقرأ اليوم إلا للاطلاع على أحكام الرقيق قبل أن تقوم إنجلترا في القرن الماضي فتنفق عشرين مليونا من الجنيهات لتعتق في مدة قصيرة سبعمائة وخمسين ألفا من هذا الصنف المظلوم من البشر، هذا غاية ما يقال في الرقيق في الإسلام، وهي مسألة كان لها شأن عظيم في كل مجتمع وحشي ومتمدين، وفي بعض البلاد في إفريقية وآسيا التي قضى عليها أن ينزلها الغرباء مستعمرين اليوم شيء يشبه هذا الرقيق ولكن بأسلوب آخر، كأن يتملك الأبيض الأسود أو الأحمر امتلاك السيد عبده، ليشغله في أرضه ومعمله، ويصرفه على هواه، ولكنهم يسمون هذا استعمارا لا استرقاقا.

ولا يسعنا ونحن في موقف المؤرخ إلا أن نشير إلى ما ينزله الجنس الأبيض من الإنجليز والألمان والفرنسيس والإيطاليين والبرتقاليين من أنواع العذاب في الجنس الأسود في إفريقية؛ فقد جرد الإنجليز جنسا من الرعاة اسمهم الماتبليون من قواهم المادية، بما أرادوهم عليه من التوقيع على معاهدات راغ فيها الذين أملوها كما تروغ الثعالب، أملوها على شعب فطر على السذاجة وسلامة القلوب، ومن هؤلاء البيض من يغالون في تدخلهم ببلاد شعوب لا تستطيع الدفاع عن نفسها؛ وذلك للرغبة في تملك الثروات الطبيعية والأخذ بكل حيلة للتسلط والتوسع، وتاريخ الكونغو البلجيكية والكونغو الفرنسية يذكر بأبشع ضروب الاستثمار وأفجع أساليب الاستعباد، فقد اعتاد الأوروبيون بعد أن يصادروا الوطنيين في أملاكهم أن يطالبوهم على صورة ضرائب بتسليم عصارة المطاط (الكاوتشوك)، وكان الوطنيون يقايضون عليه من قبل بالسلع الأوربية، فعمد الغربيون لأجل استخراج كمية أوفر من هذا العصير الثمين إلى أساليب من إرهاق الزنوج البائسين هي العذاب بعينه.

يستحلون ضربهم وتعذيبهم وحجر أموالهم واستباحة نسائهم وإجاعتهم، فنتج من ذلك أن ركن السكان إلى الهجرة، فخلت البلاد من أهلها - قاله أدمون دي موريل الإنجليزي في كتابه «ألم الجنس الأسود

The black man’s burden ».

ولقد قال أحد المبشرين الإنجيليين:

52 «إن الأوروبيين قد جنوا على السلالة السوداء جنايات كثيرة لا مندوحة لهم عن التكفير عنها، فانقرضت أكثر أمم المونغوي والفالوة والنكومي وغيرها بما أتاه من الحيف فيهم النخاسون البيض، وكانوا يصطادون أبناءهم ويستعبدونهم ويبيعونهم، وكان أكثر أرباح التجار البيض من تجارة السلاح والبارود والمسكرات، فانقرض سكان البلاد بذلك بما فشا فيهم بواسطة الأوروبيين من الفجور.» ا.ه.

وما أرحم الرقيق القديم بالقياس إلى هذا الرق الفظيع في القرن العشرين.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٤١