التعليقة الثالثة والثلاثون (ج2، ص353)
بعد أن نقل ابن كثير في البداية والنهاية أحاديث السقيفة قال: ومن تأمل ما ذكرناه ظهر له إجماع الصحابة المهاجرين منهم والأنصار على تقديم أبي بكر، وظهر برهان قوله عليه السلام: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، وظهر له أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
لم ينص على الخلافة عينا لأحد من الناس، لا لأبي بكر - كما قد زعمه طائفة من أهل السنة - ولا لعلي - كما يقوله طائفة من الرافضة - ولكن أشار إشارة قوية يفهمها كل ذي لب وعقل إلى الصديق، إلى أن قال: وفي الصحيحين أيضا من حديث الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال: من زعم أن عندنا شيئا نقرؤه ليس في كتاب الله وهذه الصحيفة - لصحيفة معلقة في سيفه فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات - فقد كذب، وفيها قال: قال رسول الله : «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا.» وهذا الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما عن علي - رضي الله عنه - يرد على فرقة الرافضة في زعمهم أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أوصى إليه بالخلافة، ولو كان الأمر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة، فإنهم كانوا أطوع لله ولرسوله في حياته وبعد وفاته من أن يفتاتوا عليه، فيقدموا غير من قدمه، ويؤخروا من قدمه بنصه، حاشا وكلا ولما، ومن ظن بالصحابة - رضوان الله عليهم - ذلك؛ فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطؤ على معاندة رسول الله ومضادتهم في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام، وكفر بإجماع الأئمة الأعلام، وكانت إراقة دمه أحل من إراقة المدام، ثم لو كان مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - نص، فلم لا كان يحتج به على الصحابة، على إثبات إمارته عليهم وإمامته لهم، فإن لم يقدر على تنفيذ ما معه من النص فهو عاجز، والعاجز لا يصلح للإمارة، وإن كان يقدر ولم يفعله فهو خائن، والخائن الفاسق مسلوب معزول عن الإمارة، وإن لم يعلم بوجود النص فهو جاهل، ثم قد عرفه وعلمه من من بعده، هذا محال وافتراء وجهل وضلال إلخ.
التعليقة الرابعة والثلاثون (ج2، ص458)
كتب إلينا فريتز كرينكو من علماء المشرقيات الألمان أنه يعتقد أن زوال الدولة العربية - أعني خلافة بني أمية وانتقال مركز الإسلام من دمشق إلى العراق، وظهور الفرس على العرب - كان السبب الأول في الحيلولة دون انتشار الإسلام في الأمم النازلة في الشمال الغربي؛ أي في أوروبا، وأن الدولة العباسية قامت على أنقاض الدولة الأموية، وأن دخول الفرس في المناصب العالية، أدخل الغش والخيانة في الأعمال المالية ، وانتهى الحال بالخلفاء والوزراء إلا النادر الشاذ ألا يفكروا في شيء من أعمال الشام ومصر، دع ما وراء ذلك من البلاد كإفريقية والمغرب والأندلس، إلا يوم يريدون نقل أموال الخراج من العراق لشراء الجواري والجواهر وإيجاد الجوائز للمغنين والشعراء ومن ماثلهم. ولو نظرنا في أمهات الخلفاء لرأينا خلفاء بني أمية كلهم، ما خلا مروان بن محمد، آخر ملوك بني أمية، كانوا أبناء حرائر، وبالعكس كان خلفاء بني العباس أو أكثرهم أولاد جوار، جلبن من بلاد غير إسلامية. ثم هناك آفة ثانية، وهي جلب الغلمان الأتراك إلى بغداد ليكون منهم عمد الدولة، فأصبحوا أرباب الخلفاء أنفسهم في أقل من قرن، وآفة ثالثة، وهي المناقشات والحروب التي انتشرت بين أهل السنة والشيعة ودامت إلى زماننا هذا، وقد شاهدت منها ما غمني في بلاد الهند ورأينا ها هنا في إنجلترا بعض الشيعة في العهد الأخير يمتنعون من الصلاة خلف إمام سني المذهب، وهذا مما يهين أهل الإسلام في عيون من لا يعتقدون به، وفوق كل هذه الآفات التي كان فيها أكبر سبب في خمول الأمم الإسلامية أن كان السلاطين والأمراء في حروبهم يستنجدون بالأمم النصرانية من مجاوريهم، وكان خلفاء العبيديين في مصر أول من جنى على الإسلام يوم استيلاء الصليبيين على الشام وفلسطين، ثم أصبح هذا داء عقاما في الممالك الإسلامية. قال: ولولا الحسد الساري والشره المبين بين أمراء الهند لم تستحوذ إنجلترا على البلاد الهندية.