تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتحول ما أمكن الزكوات والصدقات إلى ملاجئ يأوي إليها اليتامى والعجزة، ومن قعدت بهم الأيام عن الكسب، حتى تبطل الكدية ويقل الشقاء والبؤس، ويضطر كل صحيح الجسم إلى ممارسة عمل يعيش منه بكده، ويكون من أولى القواعد ألا يبدأ بعمل قبل التفكير فيه طويلا، وألا يستهان بمال قليل يجمع لهذه الأغراض من أول الأمر، ثم تترك سياسة كل بلد للصالحين من أهله، لا يشاركهم فيها جمهور الناس إلا عند الحاجة القصوى، وبقدر معلوم إلى حد معين. والزمان كفيل مع اتخاذ الأسباب بحل كل معضل، والأمة الصحيحة العقل والجسم، المجهزة بالأجهزة اللازمة في كفاح الحياة، مضمون لها البقاء، وميسور لها أن تعيش حرة، إذا صمدت وصبرت وعملت واغتنت، والله ولي التوفيق.

| تعاليق

التعليقة الأولى (ج1، ص11)

ذكر أحد الباحثين في جريدة الكوتيدين

Le quotidien

الباريزية تحت عنوان «تاريخ الأمم المغلوبة على أمرها لم يكتب» أن المجلس الأعلى لبقايا هنود أميركا في الولايات المتحدة أرسل إلى شيخ مدينة شيكاغو احتجاجا جاء فيه: أن الكتب المدرسية المستعملة الآن في الولايات المتحدة، صورت تاريخ قبائل الهنود في صورة مخالفة للحقيقة التاريخية. قال الكاتب: وليتنا نفكر قليلا فيما كانت عليه أميركا قبل أن يفتتحها كولمبس، ونقرأ ما قصه الفاتحون الأولون وأرباب الرحلات الأقدمون من الأقاصيص الغريبة، ونلقي رائد الطرف على المدن القديمة في العالم الجديد وما بلغته من الازدهار، وما غصت به من المعابد العظيمة التي تضاهي بعظمتها معابد مصر، وتماثيلها العظيمة المحلاة بالذهب، وما كان هناك من متاحف وخزائن كتب ومراصد فلكية، وإذا كتب لك أن تتوغل في مدنية المكسيك ومدنية الماياس في يوكاتان والأنكاس في الأند - إذا رأيت كل هذا استنتجت، والدهشة آخذة منك، بأن فتح أميركا كان من أعظم جنايات أوروبا. قال: وليست هذه الجريمة، ويا للأسف، وحيدة في بابها؛ فقد كان تاريخ المدنية والعالم خلال أدوار طويلة مغموسا بالدماء المكروهة، والجنايات آخذا بعضها برقاب بعض. قال: وإن تاريخ العالم، على النحو الذي تعلمناه في الكتاتيب والمدارس والجامعات، لا يذكر الغالبين بخير إلا إذا أريد إيراد فضائحهم، والنظر إلى سقوطهم نظر عداء ومكر، ومنذ عهد قريب فقط أخذوا يذكرون في كتب التاريخ القديم ما قام به الإيجيون سكان شواطئ بحر هيجاي من الأعمال الجليلة، وما كان من أمر المملكتين القديمتين العظيمتين أكاد وسومر، ومنذ زمن غير بعيد رجع العلماء عن القول بالخرافة القديمة في أصولنا الآرية أو الهند الأوربية. وقد تلطف كميل جوليان المؤرخ كل التلطف، حتى وفق إلى إدخال أصول جديدة في التاريخ الرسمي من مقتضاها أن المدنيات الأولى في فرنسا، كانت حضارات إيبيرية إسبانية وليغورية إيطالية، يتجلى طابعها في سحناتنا وربما تجلى في عقليتنا، وإن نفينا زمنا هذا الطابع من طوابع أجدادنا ولم نعترف به. قال: ومن قرأ تاريخ إفريقية الشمالية القديمة يعرف أنه قامت حضارة زاهرة في جبل الأطلس قبل ألوف من السنين للميلاد، وكان في تلك الأصقاع مدنية بربرية قويمة ذات علم وفن، تعب المصريون والفينيقيون في القضاء عليها، وأنه كان لأيرلاندا حضارة بديعة فيها البطولة والتقوى، ولم يتعرض المؤرخون من البريطانيين لذكرها ووصفها، ومثل ذلك قل في الشعوب الإيطالية الأولى، قبل أن تؤسس رومية وتنمو، فإن أمرها مجهول، حتى لنجهل اللغة التي كان يتكلم بها الإيتروسكيون الذين شرعوا لرومية الشرائع، وأقاموا لها الملوك، وخلقوا لها أربابا وآلهة. ا.ه.

التعليقة الثانية (ج1، ص22)

قال ابن الجوزي في كتاب الموضوعات: معظم البلاء في وضع الحديث إنما يجري من القصاص؛ لأنهم يريدون أحاديث ترقق وتنفق، والصحاح تقل في هذا، واختلف أهل البصرة في القصص، فأتوا أنس بن مالك فسألوه أكان النبي يقص؟ قال: لا. وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن نافع وغيره من أهل العلم، قالوا: لم يقص في زمان النبي ولا زمان أبي بكر ولا زمان عمر، وإنما القصص محدث، أحدثه معاوية حين كانت الفتنة. قالوا: ما أمات العلم إلا القصاص، يجالس الرجل القاص سنة، فلا يتعلق منه بشيء، ويجلس إلى العالم فلا يقوم حتى يتعلق منه بشيء. وفي كتاب «تحذير الخواص من أكاذيب القصاص» للسيوطي فصل في إنكار العلماء على القصاص ما رووه من الأباطيل، وسفه القصاص عليهم، وقيام العامة مع القصاص بالجهل، واحتمال العلماء ذلك في الله.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٨٩