تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39

مما دل على أن التتر أقل من العرب أو الذين دخلوا في العرب المستعربة في الأخذ بمذاهب الحجاب، والسبب فيه أن التتر أو جنس الترك أقرب إلى البداوة منهم إلى عيش الحضارة، وتحجب التتر إلى اليوم لا يعد شيئا؛ ولذلك كان نساء الأتراك العثمانيين أقل نساء السلطنة تحجبا؛ لأن التركيات منذ الدهر الغابر لا يعرفن الحجاب، فكان استعدادهن ظاهرا منذ القديم لقبول الأتراك مبادئ الكماليين اليوم؛ القائلة برفع الحجاب بالمرة على صورة أشد مما هو عند الفرنج. «والواقع أن الحجاب هو وليد العادات أكثر مما هو محصول الدين، والحجاب

40

حادث في بدء تأخر الأمم الإسلامية، ثم تأكد وثبت منذ أصدر المتوكل والقادر بالله العباسي أوامرهما بمنع النساء من الصلاة في المسجد ومخالطة الرجال في الحفلات والاجتماعات.»

ولو كان الحجاب معروفا أوائل الإسلام على نحو ما صار إليه في العصر الأخير والذي قبله، لما تيسر للصحابيات والتابعيات وغيرهن من نساء العرب أن يصحبن أزواجهن في الحروب، وكان من نساء المسلمات الممرضات يسلمون إليهن الرثيث أو المرتث، ولطالما غزا الرسول بالنساء يداوين الجرحى ويحذين

41

من الغنيمة، ومنهن الداعيات المحمسات والمعاونات للمحاربين على تخفيف شظف العيش، ومنهن من كن يبرزن سافرات كسكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة وغيرهما على ما اشتهر من جمالهن، يجتمعن إلى الرجال من غير نكير،

42

وعائشة زوج الرسول هل كان يتأتى الأخذ عنها وعن غيرها من نساء الرسول وغيرهن لو كان النساء محجبات بغير الحجاب الشرعي، أي ظاهرات الوجه والكف وربما الذراعين والقدمين.

وفي تاريخ الإسلام عشرات من الأمثال والحجج يمت بها السفوريون المتعدلون وهم لم ينسوا أن من النساء من كن يحاربن بالفعل أو يجلسن وراء الجيش يحمسن الرجال، فإذا ولى أحدهم من الزحف ينهلن عليه بالضرب والتقريع، وما فات القائلين بالحجاب أن تستر المرأة في القديم كان على حالة يرضاها الشرع ولا يأباها المجتمع، فما منع نساء المسلمات من أخذ العلم والسعي للرزق والرحلة والتنقل والعمل على ما فيه السعادة الزوجية والبيتية بما لم يخرج المرأة عن طبيعتها إلى طبيعة أخرى لم تخلق لها وليس لها الاستعداد الكافي للقيام بها.

وبهذا عرفنا أنه كان للحجاب صورة أخرى مثل التي نراها اليوم في القرى والبوادي، وفي الحقيقة أن الشريعة حظرت الخلوة بالأجنبي والتبرج أمام غير المحارم، وأي عقل سليم لا يستحسن هذا منها، وهل أعظم في باب المغريات من تبذل المرأة في خلوتها بالغريب وظهورها بمظهر من الزينة ناب عن المعقول وقانون الحياء؟ ولو كان الحجاب غليظا كما يصوره بعضهم بحيث كان مانعا للمرأة عن العمل، هل كنا نرى هذا العدد الدثر في التاريخ من النساء المتعلمات والمحدثات والواعظات والأديبات وغيرهن منذ عهد الصحابيات إلى اليوم؟ وهل كنا نرى نساء كثيرات ساهمن الرجال في إدارة الممالك؟ أو ساعدن أزواجهن على أعمالهم العظيمة، فكان شطر من توفيق الرجال يحسب لأزواجهن المتعلمات.

روى الجاحظ قال: لم يزل الرجال يتحدثون مع النساء

43

في الجاهلية والإسلام حتى ضرب الحجاب على نساء النبي خاصة، وأن النساء إلى عهده من بنات الخلفاء وأمهاتهم فمن دونهم يطفن بالبيت مكشفات الوجوه، ونحو ذلك لا يكمل حج إلا به.

قال: ولا يكون محادثة إلا ومعها ما لا يحصى عدده من النظر، إلا أن يكون عني بالنظرة المحرمة النظر إلى الشعر والمجاسد

44

وما تخفيه الجلابيب مما يحل للزوج والولي ويحرم على غيرهما، ثم لم يزل للملوك والأشراف إماء يختلفن في الحوائج ويدخلن في الدواوين ونساء يجلسن للناس ، وذكر أسماء كثيرات منهن، وقال: كن يبرزن للناس أحسن ما كن وأشبه ما يتزين به، فما أنكر ذلك منكر ولا عابه عائب.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٨