65
وكان ابن الخطاب يفحص أمورا لا تخطر ببال أحد: كتب إلى أبي موسى الأشعري: «إني قد بعثت إليك مع غاضرة بن سمرة العنبري بصحف فإذا أتاك لكذا وكذا فأعطه مائتي درهم، وإن جاءك بعد ذلك فلا تعطه شيئا، واكتب إلي في أي يوم قدم عليك.» يريد بذلك أن يعلم من يستعملهم الجد والاهتمام والحرص على الأوقات وضبط المواعيد، هو يعطي من أرسله بالصحف مائتي درهم إذا جد فوصل إلى البلد الذي عين له في الأجل المضروب وإلا فيحرم أجرته. وكتب إلى حذيفة بعد ما ولاه المدائن وكثر المسلمات: إني بلغني أنك تزوجت امرأة من أهل المدائن من أهل الكتاب فطلقها، فكتب إليه: لا أفعل حتى تخبرني أحلال أم حرام، وما أردت بذلك؟ فكتب إليه: لا، بل حلال، ولكن في نساء الأعاجم خلابة، فإن أقبلتم عليهن غلبنكم على نسائكم، فقال: الآن نطلقها. هذا مع أن عمر كان يقول: ليس قوم أكيس من أولاد السراري لأنهم يجمعون عز العرب ودهاء العجم. وكتب إلى أبي موسى الأشعري أيضا:
66
إذا أتاك هذا فاضرب كاتبك سوطا واعزله عن عمله، وذلك أن كاتب أبي موسى كتب إلى عمر (من أبو موسى) وكان عليه أن يقول (من أبي موسى)، ودبر عام الرمادة (17-18) تدبيرا إداريا ناجعا عندما رأى الناس يهلكون من المجاعة، فكتب إلى أمراء مصر والشام والعراق أن يوافوه بالميرة فأتته القوافل تحمل طعاما كثيرا وغيره، فوسع على الناس، وكان قطع الطعام عن نفسه وأطعم الجياع، ولولا تدابيره هذه لهلك أهل الحجاز جميعهم.
ومن جملة تدابيره الإدارية أنه
67 «حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج من البلدان إلا بإذن وأجل، فشكوه فبلغه، فقام فقال: ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير يبدأ فيكون جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سديسا ثم بازلا، ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان، ألا فإن الإسلام قد بزل،
68
ألا وإن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عباده، ألا فأما وابن الخطاب حي فلا، إني قائم دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار.»
هذا مجمل من إدارة عمر، وقد كان شديدا في إقامة الحدود يقيمها على أقرب الناس إليه: حد في الخمر ابنه، وعاقب ابن عمرو بن العاص عامل مصر؛ لأن أحد قبطها استعداه عليه، قال السائب بن يزيد: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله وإمارة أبي بكر وصدر من خلافة عمر ، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرجلنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلدوا ثمانين، ولما ضعف نصاب الشهادة على المغيرة بالزنا سري عنه لأنه ما أراد أن يرجم أحدا من الصحابة،
69
وأراد أن يحد جبلة بن الأيهم من ملوك غسان لأن رجلا فزاريا
70
في الحج وطئ على إزاره فلطمه جبلة فهشم أنفه، وشكاه الفزاري فأراد عمر جبلة على أن يفتدي نفسه أو يأمر الرجل بلطمه، فقال جبلة: كيف ذلك وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال: إن الإسلام جمعكما، وسوى بين الملك والسوقة في الحد، ففر جبلة والتحق بالروم، وكان يساوي بين الناس في القضاء مهما علت منزلتهم، وبلغه عن بعض عماله وهو في دار الحرب أنه تعدى حدا من حدود الله فأغضى عنه لئلا يعتصم ببلاد الروم.
وكان يعرف أن الرسول قال: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما، فسكت عمر عنهم، وراعى العهود التي أعطاها الرسول لهم، ولما كان من جملة شروط نصارى نجران ألا يأكلوا الربا أمر بإجلائهم واشترى منهم أرضهم وأوصى بهم أهل الشام والعراق، ولما انطلق نصارى بني تغلب هاربين من الجزية أضعفها عليهم
71
وشرط عليهم ألا ينصروا أولادهم، ولم يسمع لقول أحد بني تغلب: إنهم قوم عرب يأنفون من الجزية وهم قوم لهم نكاية، وقوله له مهددا: لا تعن عدوك عليك، وكان يتحامى استعمال النصارى وعرضوا عليه كتابا منهم فأبى أن يستعملهم، وكان إذا