تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58

عبد الله بن عمر السعدي، فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي من أعمال المسلمين أعمالا فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقال: بلى، فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟ قال: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، فقال عمر: لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت، وكان رسول الله يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي: خذه فتموله وتصدق به، فما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا إسراف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك.

كان عمر يأمر الناس بالتفقه في الدين ، ويجد في إرسال الفقهاء إلى الأمصار، يفقهون المؤمنين ويعلمونهم دينهم، وقد لا يرسلهم إلا بعد أخذ رأيهم، ولما أراد أن يرسل سعد بن عبيد، وكان لا يسمي القارئ من الصحابة غيره قال له: هل لك في الشام فإن المسلمين نزفوا وإن العدو قد ذأروا

59

عليهم؟ وذلك بعد طاعون عمواس.

وكان يقول حين خرج معاذ

60

بن جبل إلى الشام: لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها بالفقه، ولقد كنت كلمت أبا بكر رحمه الله أن يجلسه لحاجة الناس إليه فأبى علي وقال: رجل أراد جهادا يريد الشهادة فلا أجلسه.

وفي كتب عمر إلى قضاته وعماله كأبي موسى الأشعري والقاضي شريح وأبي عبيدة ومعاوية وغيرهم قوانين في الاشتراع والإدارة سنها للمسلمين لا تزال إلى يوم الناس هذا هي المعول عليها، ورسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري جمع فيها «جمل

61

الأحكام، واختصرها بأجود الكلام، وجعل الناس بعده يتخذونها إماما، ولا يجد محق عنها معدلا، ولا ظالم عن حدودها محيصا.» ولقد قالوا: إذا

62

اختلف الناس في أمر فانظر كيف قضى عمر، فإنه لم يكن يقضي في أمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور، وكان أبدا يأخذ آراء أصحابه لا يقطع أمرا عظيما من دون استشارتهم ويقول: الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين المبرمين، والثلاثة مرار لا يكاد ينتقض، هذا ولو وضع علم عمر في كفة، كما قال ابن مسعود، ووضع علم أحياء العرب في كفة لرجح بهم علم عمر، وأنشد عمر ذات يوم شعر زهير بن أبي سلمى فلما بلغ قوله:

فإن الحق مقطعه ثلاث

يمين أو نفار

63

أو جلاء

جعل يتعجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها ويقول: لا يخرج الحق من إحدى ثلاث، إما يمين أو محاكمة أو حجة.

وكانت المدينة في أيامه أشبه بمدرسة يتخرج به فيها القضاة والعمال والقواد والأمراء فلا يبعث إلى الأمصار إلا من اختبره في الجملة، وقلما أخطأت فراسته في الناس، وهو المثل الأمثل في جده. كان كعب بن سور جالسا عند عمر فجاءته امرأة تشتكي زوجها، فقال لكعب : اقض بينهما، فلما قضى بما أعجبه وما لم يخطر له ببال قال لكعب: اذهب قاضيا على البصرة. ساوم عمر بفرس فركبه ليشوره

64

فعطب، فقال للرجل: خذ فرسك، فقال الرجل: لا، قال: اجعل بيني وبينك حكما، قال الرجل: شريح، فتحاكما إليه فقال شريح: يا أمير المؤمنين خذ ما ابتعت، أو رد كما أخذت، فقال عمر: وهل القضاء إلا هكذا، سر إلى الكوفة، فبعثه قاضيا عليها. قالوا: وإنه لأول يوم عرفه فيه، وبقي شريح قاضيا هناك ستين سنة.

ومن الفقهاء في أيامه أبو موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة الباهلي، وأبو قرة الكندي، وأبو الدرداء، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس، ومن عماله نافع بن عبد الحارث الخزاعي، وسفيان بن عبد الله الثقفي، وعبد الله بن أبي ربيعة، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وقتادة بن النعمان، وعمير بن عوف، وعمير بن وهب بن خلف الجمحي، وعتبة بن مسعود، وعدي بن أبي الزغباء الجهني، وعويم بن ساعدة، وسهيل بن رافع، ومسعود بن أوس بن زيد الأنصاري، وواقد بن عبد الله التميمي، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم، من كل من هو فرد في علمه، متميز بحسن سياسته وإدارته. كتب إلى أبي موسى الأشعري: إنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائج الناس فأكرم وجوه الناس، فبحسب المسلم الضعيف من العدل أن ينصف في الحكم والقسمة، يعني أن عمر أوصى بالأعيان، وإن كان يكره الشفاعة والوساطة، فقد توسط مولى عمر بأن يكتب كتابا إلى عامله في العراق ليكرم أحد من قصدوا إليه فانتهره عمر وسبه وقال: أتريد أن يظلم الناس، وهل هو إلا رجل من المسلمين يسعه ما يسعهم؟

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢١١