تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: «وإذا كانت جزيرة كوبا تحت حكم الإسبان لم تر مدة ثلاثة قرون غير الظلم والفوضى وإهراق الدماء حتى أقفرت، وانقلبت في بضع سنين تحت حكم الأميركان جنة أرضية، فذلك لتفوق العنصر الأميركي، وصلاحه للبقاء وإعمار الأرض، أكثر من الإسبان.» ثم إن تاريخ كل أرض حلها الإسبان وطردوا منها - وما أوسعها في أوروبا وأميركا وغيرهما - حلقة من المظالم والمغارم لا يتصورها العقل.

هكذا يقول من يكتبون للحقيقة والتاريخ، أمثال الفيلسوفين المحدثين فوليه ولبون، أما ذاك الروسي المتحمس للإسبان فلا يرضيه إلا أن نصانعهم ونعترف برقيهم؛ لأنهم خرج منهم فلان الباحث، ولكن فوليه يقول: إن إسبانيا لم تخرج إلى اليوم فيلسوفا يذكر، بل أخرجت رجالا نصفهم فلاسفة ونصفهم لاهوتيون. وقال غيره: إنها لم تنشئ مؤرخا واحدا، وذلك أنك بينا ترى مؤرخهم يسرد تاريخه، إذا هو شاعر يخطب، وأديب يبالغ، ومع عادة صراع الثيران المألوف عندهم، على ما كانت عادة إحراق المتهم بدينه بالنار، لا ترق حاسة ولا يرتقي شعور، ولا يتأتى من عادة صراع الثيران إلا التوحش الممقوت، وما كان التلذذ بإهراق الدم ضروريا في تخريج الأبطال، حكم بوكل المؤرخ الإنجليزي على الإسبانيين حكما شديدا، قال: «لم تبرح إسبانيا في سباتها، تنام هادئة لا هم لها، ولا ألم يساورها، غير متأثرة بالعوامل الخارجية، ولا بما يحدث في العالم من مظاهر الرقي، فهي تنزل هناك في طرف القارة الأوربية كتلة عظيمة لا حركة فيها، حتى صح أن تصور بأنها آخر ممثل لشعور القرون الوسطى وأفكارها، ومن مؤسف المظاهر فيها، أنها راضية عن حالتها، فهي أحط أمة في أوروبا، وتعتقد نفسها أرقى أمة، تفاخر بكل ما كان عليها أن تخجل منه، كثيرة الاعتداد بعتيق آرائها، واستقامة دينها، وصحة يقينها، معجبة بأمور شتى بسذاجتها التي تشبه سذاجة الأطفال، وبكراهتها وتحسينها معتقداتها وعاداتها، تعتز ببغضها للملاحدة، وبانتباهها الدائم الذي به قضت على كل المساعي التي بذلها من أرادوا النزول فيها.»

ومع كل هذا وذاك، يريدنا الأديب الروسي أن نسكت عمن يسيء؛ لأن هناك من يحسن، فسبحان من قسم العقول!

اليسوعيون والدعوة إلى تآلف الإسلام والنصرانية

وبعد، فإن من أعظم العابثين بتاريخ المسلمين، المنكرين أثر العرب في الحضارة، جماعة يدعون إلى النصرانية، وقد جعلوا همهم الأكبر في دعوتهم تشويه بعض الحقائق الثابتة، فنازعونا حتى في البديهيات، وأملوا ولا يزالون يملون علينا ضروبا من إفكهم، تفننوا في تنويع أساليب دعوتهم، وأصحاب هذه المفاخر من أهل البلاد، قلما حدثتهم أنفسهم في كف عاديتهم، نسي دعاة التفريق أنهم دخلاء في بلاد لم يبرح سلطان الإسلام فيها متفوقا، وجهلوا أنها أحسنت وفادتهم، أو لم تضق بهم ذرعا كما ضاقت بهم مواطنهم الأصلية، فطردوا منها مرات، فكان جزاؤها منهم أن قابلوها بمصادرة عواطفها، وأغلظوا القول في دينها ونبيها ومدنيتها، على حين تجهم لهم حتى أبناء نحلتهم، وكانوا أحق من غيرهم بالتسامح معهم، ومنهم، بل من المقدمين فيهم، مؤلف اسمه لامنس، عاهد تاريخ الإسلام على مناقضته، وتمحض للحط من قدر العرب منذ عرفوا بين الأمم، وإليكم أمثلة مما يجنيه على الحقائق، تعرفون منها افتئاته على العلم، بحيث تخجل من عبثه حتى أرباب الوجوه الصفيقة.

30

من الكتب المهمة التي تنشر تباعا في مدينة ليدن الهولاندية بلغات العلم الثلاث: الفرنسية والألمانية والإنجليزية، كتاب «معلمة الإسلام

Encyclopédie de l’Islam »، وتعد هذه المعلمة، بما ضمنت لها من مؤازرة أعاظم الباحثين من علماء المشرقيات، من أجمع ما كتب على الإسلام وأصول أهله وبلدانه وتقويمها، عمل جليل، لم يخل، ويا للأسف، وجهه الجميل من تشويه قليل أتاه ذاك الذي ينظر إلى الإسلام أبدا بعيون البغيض، وأعني به لامنس، فأساء إلى الحقيقة في مقالاته، ظانا أن هذه المعلمة أيضا بوق دعاية مذهبية، وأن على الداعية أن يحتال لبث دعوته، ولو خان الواجب عليه في عمل آخر وسد إليه.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٣