تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كانت كل هذه الإشارات لا تكفي لبيان حال الإسبان؛ فاسمعوا ما يقوله لبون: «ساعد الإسبانيين الاختلاف الطارئ بين العرب؛ فوفقوا بعد غارات طويلة إلى تأسيس عدة من الممالك الصغرى، كانت تتسع رقعتها كل يوم، ولما كتب للمملكة الإسبانية بعد حروب ثمانية قرون، أن تستولي على عاصمة آخر مملكة عربية، أي غرناطة، ووحدت ممالك الجزيرة تحت لواء واحد، ظهرت إسبانيا في الحال في مظهر أول دولة حربية في أوروبا، وكان شارلكان وفيليب الثاني بعد فرديناند على جانب من المهارة السياسية، وكان القرن الذي انقضى من الاستيلاء على غرناطة إلى وفاة فيليب الثاني، عهد عظمة لإسبانيا لن ترى مثله، والعرب خلال هذه المدة بين صعود ونزول، تركوا وشأنهم في تلك الأصقاع، وكان من تفوقهم العلمي أن أصبحت لهم مكانة سامية، فكان العلماء وأرباب الصنائع والتجار في البلاد من العرب، وكانت كل حرفة ما عدا حرفة الراهب والمحارب مما يحتقره الإسبان، وبعد أن فقدت إسبانيا عظماء رجال الحرب الذين توالى قيامهم على رأسها مدة قرن، ساغ أن يقال: إنها حرمت القوة الحربية بهؤلاء، والقوة المدنية بطرد العرب؛ فباد فيها كل شيء، وسرعان ما سرى إليها الانحطاط بعد طرد العرب وتقتيلهم، وليس في التاريخ مثل إسبانيا شعب انحط إلى مثل هذه الهوة السحيقة، في مثل هذه المدة القصيرة ... هوت في سنين قليلة إلى أحط درجات السقوط، وفقد من بنيها الحزم والنشاط، حتى آلت بها الشقوة إلى أنها لم تنتفض من عوارضها إلا باستيلاء الأجنبي عليها، وتخلت عن سلطانها السياسي والإداري والصناعي والتجاري، فكان الفرنسيس والطليان والألمان وغيرهم، هم الذين يتولون كبر هذا الأمر فيها، جلبت إسبانيا العلماء وأرباب الصنائع من الخارج، ولكن كيف السبيل إلى إحياء الموتى، فقد ذهبت العرب، وقضى ديوان التحقيق على كل من كان من الذكاء في درجة فوق المتوسطة، فكان فيها سكان، ولكنها فقدت الرجال. وكانت جميع كتب الإسبان كتب عبادة وتبتل وزهد، ولم يبق فيها كيماوي يعرف البسائط من هذا العلم، وما كشف أوائل القرن الثامن عشر في الغرب، كان الإسبانيون بمعزل عنه لا علم لهم به، بل لا علم لأطبائهم بمسألة دوران الدم حتى بعد قرن ونصف من كشفه، وقد اقترح بعضهم مرة رفع القمامات من أزقة مجريط سنة 1760؛ لما كان ينبعث منها من الأمراض، فقام ديوان الصحة يمانع في رفعها، قائلا: إن أجدادهم كانوا على جانب من العقل يعلمون ما يبرمون، وما حاولوا جمع القاذورات قط، وعاشوا وسطها، فعلى أبنائهم أن يسيروا على مثالهم؛ لأن إزالة الأوساخ قد تحدث منها أمور لا يعرف ما يكون منها.»

قال: لقد بذل كثير من المساعي المحمودة، ولما تهب هذه البلاد من سباتها، وإلى اليوم لا تزال الصنائع والزراعة مفقودة فيها، وأهلها في كل ما يتجاوز القدرة المتوسطة، عيال على الغريب، فالغرباء يديرون معاملها، وينشئون خطوطها الحديدية، ويأتونها بالميكانيكيين يسيرون قطاراتها، وكل ما فيها من العلم والصنائع هي فيه حكرة للأجنبي، ومهما بلغت حكومة من قوة فيها، فهي عاجزة أمام هذه الحال، وما من بلد يحكم بغير رأي أهله، ومهما بلغ من انحطاط الحكومة في إسبانيا فالشعب فيها أحط. إسبانيا أحرزت ظواهر خارجية من المدنية، وليس فيها غير الظواهر، والجهل ضارب سرادقه فيها، على نحو ما كان في القرون الوسطى، وإذا عاد ديوان التحقيق الديني إلى عمله، يجد اليوم الاستعداد له في كل طبقات الأمة. ا.ه.

وقال لبون

29

أيضا: «تقدر أخلاق كل شعب بما رزق من أخلاق خاصة؛ فإذا كان ستون ألف إنجليزي يخضعون لسلطانهم ثلاثمائة مليون هندي يساوونهم في الذكاء، فذلك بفضل صفات خاصة في الفاتحين، وإذا كان الإسبان لم يستطيعوا أن يأتوا غير الفوضى في الولايات اللاتينية في أميركا، فذلك لنقص في أخلاقهم.»

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٢