تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أواخر سنة 490ه/1096م اجتمعت في القسطنطينية جيوش الصليبيين وبعد مصاعب شديدة لقوها في آسيا الصغرى، تقدموا ففتحوا الساحل الشامي، واستولوا على بيت المقدس ظاهرين في مظهر من التوحش والقسوة لا يغبطون عليه، ظانين أن المسلمين لا تهمهم كثيرا قبلتهم الأولى، ولا يحسبون ألف حساب لاحتلال جزء مهم من صميم بلادهم، وأنهم متى رئموا للمذلة مرغمين في حاضرهم نسوا كل عاقبة وخيمة على مستقبلهم، وما أدركوا أن المسلمين كانوا أسودا لا مستأسدين إذا ما وثبوا وثبوا.

جهل الصليبيين والتنظير بين أعمالهم وأعمال المسلمين

أبان الصليبيون في مبدأ غزواتهم عن جهل مطبق في فنون القتال، وما كتب لهم الفوز في حملتهم الأولى إلا بكثرة جيوشهم، وكانوا في فوضى منذ غادروا ربوعهم حتى دخلوا القسطنطينية واتجهوا إلى الشرق، ونسوا أو تناسوا أن صاحب الروم حليفهم المعنوي، وما تلكئوا مع هذا عن إهانة قومه، وإطالة أيديهم بالأذى على بلاده، فخربوا مصانعها، وسلبوها نعمتها، وعبثوا ببيعها وكنائسها، وجعلوها طعاما للنار، وارتكبوا كل كبيرة أورثتهم العار، وأثبتوا أنهم من الجهل بحيث لم يهتدوا إلى طريقهم، فضلوا في بلاد الروم وتخطف عسكر السلجوقيين رجالهم ونساءهم، وغلوا في القسوة على أهل كل بلد نزلوه، مثل الرها وأنطاكية والمعرة وطرابلس والقدس، فقاتلوا المحاربين والمسالمين على السواء، وقتلوا النساء والأطفال والشيوخ لم تأخذهم بهم رحمة.

وليس القصد هنا ذكر تاريخ الحروب الصليبية وما جرته على بلاد المسلمين من الويلات، بل القصد بيان أثر هذه الحروب في الغرب والشرق، وقد اغتبط الصليبيون بأنهم أوقفوا المسلمين بحملاتهم على الشرق دون التوغل في أوروبا، والغربيون ما فتئوا يحذرون بطش المسلمين، ويقدرون أنه ربما بلغت بهم الجرأة ذات يوم أن يغيروا عليهم غارة رجل واحد، فيكون في ذلك ذهاب بلادهم، وحق لهم هذا التخوف؛ لأن لهم من إذلال ابن تاشفين ملك المرابطين لملك إسبانيا، وضغط السلطان ملكشاه السلجوقي على صاحب القسطنطينية، براهين لا تقبل الرد في إساءة الظن بالمستقبل، وكان يظن أن العنف الذي شاهده المسلمون في الشام من الصليبيين المتحمسين، يدعوهم إلى أن يسيئوا معاملة المستأمنين منهم، أو يعاملوهم على الأقل بالمثل، ولكن المسلمين في جميع أدوار الحروب الصليبية ملكوا اعتدالهم وما خرجوا، وبعض ما نالهم من أعدائهم مما يحرج الصدور، عن حدود شريعتهم، وما أمرت به من الرفق بالناس في دار الحرب ودار السلم، وقد أقر بذلك أكثر مؤرخي الصليبيين، وأعجب بهذه المسامحة كل صليبي، أو كل من لا غرض له من الناظرين في سير تلك الحروب العجيبة.

مجازر الصليبيين

أما الصليبيون فقد عاهدوا ملك الروم على أن يسلموا إليه أول بلد يفتحونه، ففتحوا مدينة نيقية ولم يسلموها

3

إليه وكانت بأيدي السلاجقة الأتراك فخانوا بذلك العهد الذي قطعوه على أنفسهم، ولما جاءوا المعرة معرة النعمان قتلوا على رواية ميشو

4

جميع من كان فيها من المسلمين، ممن لجئوا إلى الجوامع واختبأوا في السراديب، وأهلكوا صبرا

5

ما يزيد على مائة ألف إنسان في أكثر الروايات، وكانت المعرة من أعظم مدن الشام، وافاها سكان الأطراف بعد سقوط أنطاكية يعتصمون فيها، وفتح الصليبيون القدس، بعد أن أفحشوا القتل في المسلمين، حتى هلك منهم عشرات الألوف، فيهم جماعة من الأئمة والعلماء والعباد والزهاد، وارتكب الصليبيون كل محرم في دينهم مع المسلمين واليهود. قال ميشو: تعصب الصليبيون في القدس أنواع التعصب الأعمى الذي لم يسبق له نظير، حتى شكا من ذلك المنصفون من مؤرخيهم، فكانوا يكرهون العرب على إلقاء أنفسهم من أعالي البروج والبيوت، ويجعلونهم طعاما للنار، ويخرجونهم من الأقبية وأعماق الأرض ويجرونهم في الساحات، ويقتلونهم فوق جثث الآدميين، ودام الذبح في المسلمين أسبوعا حتى قتلوا منهم على ما اتفق على روايته مؤرخو الشرق والغرب سبعين ألف نسمة. ولم ينج اليهود كالعرب من الذبح؛ فوضع الصليبيون النار في المذبح الذي لجئوا إليه، وأهلكوهم كلهم بالنار. ا.ه.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١١٧