تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا يدل على أن العربية استحكمت ملكتها في السكان حتى إن نصاراهم استخدموها لغة التخاطب والكتابة بعد خروج العرب بمدة طويلة، وأرخوا بالتاريخ الهجري، ولا عجب أن حاسن روجر النورماني فاتح الجزيرة وخلفاؤه جمهور المسلمين فلقوا منهم كل رعاية، ولقي الفاتحون من المسلمين كل نصح في الخدمة؛ فقد روى مؤرخونا أن رجار مات قبل التسعين والأربعمائة وملك بعده ولده رجار فسلك طريق ملوك المسلمين من الجنائب والحجاب والسلاحية والجاندارية وغير ذلك، وخالف عادة الفرنج فإنهم لا يعرفون شيئا منه وجعل له ديوان المظالم يرفع إليه شكوى المظلومين فينصفهم ولو من ولده، وأكرم المسلمين وقربهم ومنع عنهم الفرنج فأحبوه.

| المسلمون والغربيون في الحروب الصليبية

اختلاق الصليبيين الأسباب لقتال المسلمين

ظن الغربيون بعد انقراض الدولة الأموية من الأندلس في 407ه أن العرب هناك يتراجع أمرهم في الحال ويصبحون لقمة سائغة؛ لما دب فيهم من الفساد السياسي المؤدي إلى الانحلال الطبيعي، ولكن عاد يوسف بن تاشفين ملك المرابطين من بر العدوة فجمع الشمل المنصدع، وضرب المرابطون ملك الإسبان ضربة شديدة في سنة 480ه في وقعة الزلاقة فأعادوا إلى الأندلس حياتها فوقرت في نفوس الإفرنج، وكان أمراء المسلمين ذلوا أمام أعدائهم وأخذوا يدفعون الإتاوات لملوك إسبانيا، وخرجت جزيرة صقلية من أحكام المسلمين في تلك الحقبة.

بيد أن رجال الدين ورجال السياسة في أوروبا ما برحوا منذ طلعت طلائع العرب في البحر المتوسط، وقوي سلطانهم في جزرها، يفكرون في مخرج يؤدي بالغرب إلى ساحل السلامة؛ لأن الإفرنج أيقنوا أن العرب أعلى منهم كعبا في الحرب، وأرقى منهم مدنية، وهم لا يخلون في كل زمان من رجل فذ ينهض بهم، كما كان من المنصور بن أبي عامر (392ه) الذي غزا الإفرنج سبعا وخمسين غزوة موفقة، ورفع من شأن الأندلس بنبوغه فوقاها من السقوط.

واتفق أن اشتد إرهاق السلجوقيين لصاحب القسطنطينية، حتى اضطروه إلى دفع جزية سنوية لهم، فاستنجد بملوك أوروبا على المسلمين، وأثار العرق الحساس في البابا، واعدا إياه أن يدخل في طاعة كنيسته، ويتخلى عن أرثوذكسيته، إذا هو ساعده على دفع صائل المسلمين، وصادف أن بعض زوار القبر المقدس من الإفرنج رأوا ما لا يروقهم من إلزام الحكومة الفاطمية حجاجهم بأداء ضريبة زعموا أنها فاحشة، فأعظم الأمر بعض رؤساء الدين عندهم، وأهاج أمثال بطرس الناسك الخواطر في الغرب على المسلمين، وبالغوا وأكثروا فيما يلقاه النصارى من العنت في حجهم، على أنه لم يحدث من الاعتداء

1

على حجاج القبر المقدس سوى حوادث فردية قليلة لا تخلو منها البلاد، وذلك قبل الحروب الصليبية. وقد قال برناردي فيس في مذكراته: إن السلام سائد فوق تلك الربوع بين النصارى والمسلمين، حتى إنني لو كنت مسافرا ونفق بعيري أو حماري الذي ينقل أمتعتي على الطريق، وتركتها كلها دون حارس ولا رقيب، وسرت إلى أقرب مدينة لأجلب لي بعيرا أو حمارا آخر لوجدت عند عودتي أنها باقية على ما هي لم يمسها أحد. ولغايات في النفس جسم بعض رجال الدين في الغرب حوادث الاعتداء على حجاجهم في الأرض المقدسة، فأثاروا ضغائن النصارى على المسلمين عند بدء ظهور الحركة الصليبية. قال منرو: كانت هذه الفظائع المنسوبة إلى المسلمين ممزوجة بكثير من الأفاويه،

2

لتوافق روح ذلك العصر الذي كان أشد توحشا من عصرنا هذا، وكان النصارى يأخذون قصص هذه الفظائع على علاتها، فعظم تأثيرها في حماسة الكثير منهم، ولجأ الغربيون إلى أنواع أخرى من الدعوة وإهاجة الأفكار على المسلمين، فاتهموهم بعبادة الأصنام وأنهم يعتقدون بألوهية محمد، واغتنم البابا فرصة عقد المجمع الديني في كلرمون فعرض عليه ما يلقاه النصارى من الإرهاق، وحرض أبناء النصارى على حمل الصليب ليفتحوا القبر المقدس، ومنحهم غفرانا عن كل خطاياهم، وأحل لهم ما تجترحه أيديهم وجوارحهم، حاميا بسيادته الروحية عيالهم وأموالهم مدة غيابهم، واعدا إياهم بمغانم دنيوية كثيرة، يسقطون عليها لا محالة إذا فتحوا الأرض المقدسة، فسار بعضهم مدفوعا بسائق الدين، ومنهم الطامع بالمغانم والأرباح، وكان الغربيون في تلك الفترة قد عضهم الفقر بنابه، وأصيبوا بأوبئة حصدتهم، ومجاعات زادت في عوزهم، فأوهمهم رؤساؤهم بأن الشرق الإسلامي بلاد الذهب، لا يلبث نزيله أن يغتني وينعم.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١١٦